مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عن خذلان غصن زيتون أخضر

 

كتبت: رِهام الرسول

غزّة -الثاني والعشرون من ربيع الأول ١٤٤٥هـ
“قبيل معركة طوفان الأقصى بيومٍ واحد”

تخبرني صديقتي أن أصمد بينما الحرب مندلعة حولي.

وانا مصابة برصاصة في قلبي… فـ أنّـى ليَ الصمود!

مشهد أقرب لمشاهد الحروب التي اعتدنا السماع عنها.

الأجواء أشبه بأجواء الخسارة.

الجميع يهرعون للنجاة غير مكترثين بالخسائر بينما أقف انا متفرجة أشهد جل ما يحدث.

في الطريق للنجاة ترك بعضهم شيٌ من المتاع

آخرون تخلوا عن كل شئٍ ليس معهم سوى أنفسهم

خَسر البعض حتى نفسَه .. نجا جسداً وبقيت الروح أسيرة الحرب.

علقَت هنا

المكان ملئ بالضحايا، بعضهم يصرخ طلباً للنجاة.

الكثير قد استسلم لقدرِه
بعض المشاهد المثيرة للضحكات..

أحد الأحباب يقف حاملاً سكين في ظهر المحب ينوي طَعنه
البعض يحمل فاه إبتسامة تنُم عن حبٍ عميق ، بينما يكشف صدره عن بغض قد لا يتحملهُ إنسان!

نعم، استطعت رؤية كل هذا .. قد بدا لي واضحاً جلياً
ربما لأن الحياة لم تعد تعنِ لي شيئاً، فقد أصبحت على أعتابِ الموت

فتلك الرصاصة قد تمكنت من قلبي ولم يعد يتبقي له سوى القليل، إنه يحتضر..

اغمضت عيني استعداداً لما علي وشك الحدوث …

صوت تحسسته أذني وكأنه يجتذبُني من مكانٍ ما، فَتحت علي إثرِه عيني لِأجد رجلاً يرتدي معطف أبيض طوي ، حول رقبته سماعة.

أخبرت نظاراته وتحدّب عدساتها عن مدى ضَعف بصرِه
الكثير من المعدات وجدت هنا.

تحمل يدي اليسرى كانيولا يمر من خلالها سائِلاً ما لِـجسدي الهزيل، يساعدني على التنفس آلة تصدِر صوتاً مزعجاً.

نظرت مرة أخرى إلى ذاك الرجل.. يبدو أن أذني قد تأثرت برصاصات الحرب فلم أستطع سماعه جيداً

تتبعت شفتيه بِـعينَيّ السقيمتين

بدا لي وكأنه يوصي أحدهم بِي، حركات أصابعه كانت تنم عن تحذيرات صارمة.

يبدو أني لست الوحيدة هنا في هذا المكان
اشحت بوجهي عن ذاك المشهد محاولةً استجماع شتات كِياني فلم أجد أثراً للحرب!

نعم، تلك أشيائي
أأنا في غرفتي!! ……

حينها أدركت أن الحرب كانت تُقام بداخلي ، وأن تلك المشاهد لم تكن سوى تجسيداً خيالياً لأفكاري وما أشعر بِه
أو لربما فاجعة ما على وشك أن تحدث !!

ولكن ما سبب تلك الغصة في قلبي؟

أهي من أثر الرصاصة؟
هل انتزعها ذاك الرجل؟

رحت أجول بنظري في الغرفة علّنِي أراه فأسأله ما الذي يحدُث هنا؟!
فلم أجده ولم أجد أثراً لتلك المعدات ولم أرَ الكانيولا بيَدِي ولا أثراً لها !!

الغرفة فارغةٌ إلّا منّي ، يكسوها الظلام عدا شعاعٌ للشمس تخللها.

لم تستطع نافذة الغرفة الموصدة منعَه فَـمرّ مُعلناً حلولِ النهـار ، تلاهُ صوتُ قَرعِ الباب

أحدهم محاولاً إيقاظي: “حان وقت الإفطار…”