مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عندما كنا صغاراً ظننا أن الكبار مرتاحون

عندما كنا صغاراً ظننا أن الكبار مرتاحون

وفرحون… وعندما كبرنا اشتقنا للطفولة

 

بقلم: المهيري بنعيسى

 

هل تذكر نفسك وأنت طفل تجلس على الأريكة وتنظر إلى والديك أو أي شخص كبير وتتساءل في داخلك لماذا هم جادون هكذا ولماذا لا يضحكون كثيراً ولماذا يقولون دائماً نحن مرهقون؟ كنت تقسم في داخلك أنك حين تصبح كبيراً ستكون مختلفاً تماماً، ستضحك كل يوم وستفعل كل ما تحب وستشتري كل ما تتمناه ولن تكون ثقيلاً مثلهم. ثم كبرت يا صديقي واكتشفت أنهم لم يكونوا متشائمين بل كانوا واقعيين، وأنهم لم يكونوا بخلاء بل كانوا يحسبون كل قرش ليقوم البيت، وأنهم لم يكونوا جادين بدون سبب بل كانوا يحملون هموماً لا تراها عين الطفل الصغيرة. واكتشفت أيضاً أنك أصبحت مثلهم تماماً، بل ربما أكثر تعباً منهم.
في الطفولة كنا نعتقد أن الكبار يعيشون في جنة لا تنتهي. كنا نقول لأنفسنا انظر إلى عمي يملك سيارة ويخرج متى يشاء، انظر إلى أبي لا أحد يأمره بشيء، انظر إلى أمي تشتري ما تريد من السوق دون أن تسأل أحداً. كنا نرى فقط الحرية التي يتمتعون بها ولم نكن نرى الأغلال التي تحيط بهم من كل جانب. أقساط البنك، فواتير الماء والكهرباء، تعليم الأطفال، مرض الجدة، مشاكل العمل، ضغط المدير، الخوف من المستقبل، التعب الجسدي، الأرق الليلي، والمشاكل الزوجية التي لا تظهر أمام الأطفال أبداً. كنا نرى السطح فقط لأن قلوبنا الصغيرة لم تكن تحتمل رؤية العمق، ولو رأيناه لخفنا من الكبر بدل أن نتمناه.
أما اليوم وقد كبرنا نحن أنفسنا، فقد تبدلت الأدوار تماماً. صرنا نحن من يجلس على الأريكة وأعيننا نصف مغلقة من التعب، وصرنا نحن من يقول “والله تعبت اليوم ولا تحملوني همومكم”، وصرنا نحن من يتمنى لو يعود طفلاً ليوم واحد فقط أو حتى لساعة واحدة. ليس لأن الطفولة كانت مثالية، فكل مرحلة عيوبها، بل لأن الطفولة كانت أخف بكثير. حمل الطفولة هو اللعب والدراسة فقط وبعض الواجبات البسيطة. أما حمل الكبر فهو كل شيء آخر: بيت يعتمرك، وزوجة أو زوج ينتظرك، وأولاد يحتاجونك، وشغل يضغط عليك، وأحلام تؤجلك، وتعب يتراكم فوق تعب. وأيضاً لأن أحلام الطفولة كانت بسيطة وسهلة التحقيق: لعبة جديدة، قطعة شوكولاتة، رحلة إلى الحديقة، أو حتى قبلة من أمي. أما أحلام الكبر فهي أثقال ثقيلة: بيت تملكه لا تستأجره، وظيفة تحترمك لا تستغلك، زواج ناجح لا ينهار، أولاد صالحين لا تنكسر قلوبك عليهم، قروض تسددها قبل أن تموت، وشيخوخة تقترب من الباب وأنت لم تعيش بعد.
في علم النفس هذه الظاهرة لها اسم جميل هو “الحنين إلى الماضي” أو Nostalgia، لكنها ليست مجرد عاطفة عابرة ولا حنيناً سطحياً. هي آلية نفسية عميقة يستخدمها العقل الباطن للهروب من ضغط الحاضر الثقيل. الطفل الذي بداخلك لم يمت، وما زال يصرخ بين الحين والآخر: أنا أريد أن ألعب، أريد أن أضحك بلا سبب، أريد أن أخطئ دون أن يحاسبني أحد، أريد أن ينام أحد بجانبي ويطمئنني بأن الغد سيكون بخير، أريد أن أشعر أن هناك من يحمني بدل أن أكون أنا الحامي للجميع. لكنك أيها الرجل أو المرأة الكبير تضطر كل يوم أن تقول لهذا الطفل الباطن اصمت ليس لدينا وقت ولا طاقة لهذا الكلام، لنحمل المسؤولية ولنكمل دربنا.
القرآن الكريم يذكرنا بأن هذه الدنيا ليست دار راحة ولا دار فرح دائم. قال تعالى وبكل وضوح: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، والكبد هنا معناه التعب والعناء والمشقة التي لا تنتهي. ليس الطفولة وحدها تعبت، وليس الكبر وحده يتعب، بل الإنسان بكل مراحله خلق في كبد وفي عناء. صحيح أن الطفولة كانت مرحلة عمرها من التعب، لكن تعبها كان راحة كبيرة مقارنة بما بعده. الطفل يتعب من البكاء أو من الدرس أو من اللعب، لكنه ينام في دقائق ويصحو كأن شيئاً لم يكن، أما الكبير فتعبه لا يزول بنومة ولا بقيلولة، بل يتعب في النوم ويصحو متعباً، ويتعب وهو يعمل ويتعب وهو جالس، ويتعب من التفكير أكثر مما يتعب من العمل.
النبي ﷺ عاش هذا الشعور بعمق شديد، هو الذي تخلى عن طفولته مبكراً جداً بعد وفاة أبيه وهو لا يزال في بطن أمه، ثم وفاة أمه وهو في السادسة من عمره، ثم وفاة جده الذي كفله وهو في الثامنة. لم يعش طفولة طبيعية أبداً، لكنه عندما كبر وثقلت عليه هموم الدعوة والحرب والصحابة والمنافقين واليهود والنصر والهزيمة، كان يشتاق أحياناً إلى البساطة التي لم يعشها. قال يوماً لعائشة رضي الله عنها وهو يتألم من تعقيدات البشر: «يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين باب يدخل الناس وباب يخرجون». هذا الحنين إلى “لو” التي لم تتحقق، هذا الشوق إلى حل بسيط لأزمة معقدة، هو نفسه الذي نشعر به نحن كل يوم تجاه طفولتنا التي لن تعود أبداً.
لكن دعني أسألك سؤالاً صادقاً الآن: هل الطفولة كانت حقاً جميلة كما نتذكرها اليوم، أم أن ذاكرتنا البشرية تحذف الألم وتضيف الحلاوة إلى أيام مضت؟ تذكر جيداً. ألم تبك كثيراً وأبك أكثر؟ ألم تخف من الظلام، من المدرسة، من عقاب المعلم، من ضرب الأهل، من الحلم السيئ الذي يوقظك مرعوباً؟ أتذكر أمراض الطفولة وليالي الحمى الطويلة التي كانت أياماً بكاملها لكنها تبدو الآن ثواني؟ أتذكر شعور العجز الكبير حين لا تستطيع أن تحصل على شيء تريده ولو كان بسيطاً مثل بوظة أو دراجة؟ الطفولة لم تكن جنة كاملة ولا حتى قريبة من الجنة. لكنها كانت أسهل في شيء واحد فقط: أن شخصاً آخر كان يتحمل المسؤولية الكاملة عنك. كان هناك ظهير قوي. أب يخاف عليك ويحتمل عنك، وأم تسهر من أجلك وتبكي خوفاً عليك، وبيت يؤويك مهما حدث ويبقى سقفك حين تمطر الدنيا.
اليوم وبعد أن كبرت، صرت أنت الظهير للآخرين. صرت أنت الذي يخاف على غيره، والذي يسهر لأجل أطفالك، والذي يؤوي من يعولك، والذي يحتمل البرد والحر والذل أحياناً ليبتسم من تحب. وهذا التحول الكبير في الأدوار هو جوهر النضج الحقيقي. ليس النضج أن تصبح قاسياً أو جافاً أو بلا مشاعر. النضج الحقيقي هو أن تصبح أنت الشخص الذي يحمل الأثقال التي كان يحملها غيرك عنك بالأمس. وهذا ما قاله النبي ﷺ باختصار عظيم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». والراعي ليس مرتاحاً أبداً، والمسؤول ليس فرحاً طول الوقت، والراعي الحقيقي متعب أكثر مما يرتاح، وخائف أكثر مما يطمئن، لكنه راضٍ لأنه يؤدي أمانته.
إذن لماذا نظل نشتاق للطفولة مع أننا نعلم علم اليقين أنها لن تعود ولن تعود أبداً؟ لأن الحنين ليس رغبة حقيقية في الرجوع بالزمن، هذا مستحيل ولا يحدث إلا في الأفلام. الحنين في حقيقته هو رسالة عميقة من أعماق روحك تخبرك أنك تفتقد شيئاً مهماً فقدته في زحمة الكبر وصراع الأيام. تفتقد البراءة في التعامل مع الناس، تفتقد الضحك بلا سبب ثقيل، تفتقد العلاقات البسيطة الصافية التي لا تحسب لها حساب ولا تخاف من غدها، تفتقد النوم العميق دون قلق يأكل قلبك، تفتقد أن يشعر بك أحد دون أن تطلب، تفتقد أن يحتضنك أحد دون أن تشرح. هذه الحاجات العميقة ليست طفولية ولا عيب فيها، بل هي احتياجات إنسانية أصيلة، تركض خلفها وأنت كبير ولا تجدها، فتحن إلى زمان كنت تحصل فيه عليها مجاناً.
الحل إذاً ليس أن نتمنى الرجوع إلى عمر الثامنة فهذا محال. الحل المعقول والعملي هو أن نحمل روح الطفولة الجميلة في قلوبنا ونحن كبار نعيش هموم الكبر. أن نضحك ولو مرة واحدة في اليوم من قلب صادق، أن نلعب مع أطفالنا فلا يكونون هم فقط المستفيدين من اللعب، أن ننام ساعة القيلولة في العصر دون شعور بالذنب لأننا “كبار”، أن نقول كلمة “أحبك” لمن نحب كما كنا نقولها لأمنا دون خجل ولا تكلف، أن نبكي حين نحتاج للبكاء دون أن نعتبر ذلك ضعفاً أو نقصاً في رجولتنا، أن نتوقف أحياناً عن حساب المستقبل ونسأل أنفسنا عن حالنا اليوم، أن نشتري لأنفسنا هدية صغيرة كالتي كنا نشتريها بمصروف الجيب الأسبوعي، أن ننظر إلى القمر ونحن على سطح البيت ونتأمل جماله دون أن نفتح الهاتف أو نصوره. هذه التفاصيل الصغيرة قد لا تعيد طفولتك الميتة، لكنها ستعيد إليك روحها الطازجة في قلب كبير.
لن تعود طفولتك إلى الحياة أبداً، هذا مؤكد ومحزون عليه. لكنك تستطيع أن تجعل أيام كبرك تشبهها في بعض التفاصيل الصغيرة التي تريح روحك المتعبة وتنعش قلبك المرهق. الطفل الذي في داخلك ليس عدواً يجب أن تقتله باسم النضج، الطفل الذي في داخلك هو سر بقائك إنساناً حياً يشعر ويفرح ويبكي ويحب. اللهم ارحم طفولتنا التي مضت وأعنا على كبرنا الذي أتى ولا تجعلنا ممن كبرت أجسادهم وصغرت قلوبهم وقست، واجعل لنا في كل مرحلة عمرية فرحاً يليق بحكمتك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

المهيري بنعيسى