المحرر: التومة بابكر الصديق
يدخل الحوار كمن يدخل غابة وعيٍ كثيفة؛ يلمس جذور التجربة، ويصغي لارتجاف الفكرة قبل أن تصبح جملة. في حديثه يتجاور الهدوء مع القلق، ويختلط الحنين بالتمرّد، وتبدو الكتابة لديه أشبه بمرآة مشروخة تفضح الإنسان بقدر ما تُنقذه. كل إجابة يقدّمها تحمل ظلّ سيرة، ووميض تأمل، وخطوة أعمق نحو السؤال الذي يطارده دائمًا: كيف يمكن للكلمة أن تُنقذ ما لا يُقال؟
كيف تبدأ لحظة الكتابة لديك؟ ما الشرارة التي توقظ اللغة في داخلك وتدفعك إلى الإمساك بالكلمة الأولى؟
الدافع التقني إلى الكتابة… حين أعود به عبر الظروف والزمن إلى بداياته في الطفولة، أجد أنه لم يتغير كثيرا. دائما ما يبدأ بتحفيز أولي يبدو كأنه منفصل عن التجربة الواعية، كأنه شيء يحدث لنا لا نُحدثه، قد تكون داخلية على هيئة صور ذهنية، أفكار ومشاعر، أو خارجية في شكل أحداث وتفاعلات مع الغير والواقع ككل، أتوقع مثل باقي الكُتّاب، لأن هنالك أنماط لا يسعنا كبشر الاختلاف فيها.
منذ طفولتي، كنت أشعر بانجذاب غريب للتفاصيل والأنماك الصغيرة العابرة، أشياء لا تبدوا لها علاقة بما كان يهم الناس حولي لكنها لا تمر أمامي مرور كرام. ومع أن الكلمات كانت قليلة في فمي، والآذان المصغية أقل حولي إلا أن الحاجة إلى التعبير كانت تزداد قوة كلما ازدادت ملاحظتي وازداد اتساع العالم أمامي.
كنت طفلا انطوائيا، قليل الكلام لكن يُعاد ما يقوله على موائد عشاء العائلة كلما تكفل قول جمل هنا وهناك، ذو خيال واسع لكن مفردات تكبته، وبيئة من الكبار الذين لا يمنحون مساحة الكلام حتى لبعضهم البعض.
هكذا تحوّلت الكتابة لاحقا إلى وسيلة للتنظيم أكثر منها وسيلة للتعبير، طريقة لترتيب العالم داخلي قبل أن أحاول فهم علاقته بالخارج.
كطالب مجتهد أيضا، اكتشفت مبكرا أن العقل الذي يحل مسائل النشاط العلمي ويربط كلمة “تفاحة” بصورة تفاحة، يمكنه أيضا أن يربط بين رموز ما يجري في ذهنه ويحاول حل مشاكله الداخلية.
ابتدأ الأمر بالرسم، كان جسرا ميكانيكيا للكتابة كان علي المرور به قبل أن أتعلمها، وبجانب دفاتر الواجبات ظهرت لاحقا دفاتر أخرى أكتب فيها عن نفسي، عن أقاربي ومعارفي، من بواب المدرسة إلى بائع الفول، عن الأشياء التي لا يسألني أو أسأل عنها أحد. كانت تلك أول معسكراتي في الكتابة، تدريب ذاتي على البوح والترتيب والفهم، خاصة انه كانت لي أيضا عادة غريبة كطفل أتم عقده الأول، كنت أخرج للشارع وأمشي بين المارة في مدينة بجنوب المغرب ألاحظ تفاصيل الغرباء، لأتخيل قصة حياة كل واحد منهم عبر وضع نفسي مكانه، أو ما يسميه شباب الانترنت اليوم تخيل الLore، فكنت أمشي، طفلا صغيرا غريب أطوار، مقلدا لمشية الشخص وحركاته أتقمصه وأتخيل من أين أتى وما يشغل باله وإلى أين هو ذاهب، ثم أجمع تلك الشخصيات وأرجع للمنزل لأعيد رسمهم في قصة ما تجمعهم.
وعلى ما يبدوا، الآن بعد أن فكرت في الأمر، مازلت أفعل نفس الشيء بالكتابة، فقط بطرق ومحاكاة ذهنية متطورة أكثر، ربما هذه هي الشرارة التي توقظ وتستمر أثناء فعل الكتابة حتى ينتهي، الرغبة في عيش المزيد واختبار المزيد من الحياة عبر تقمص شخصياتنا وعوالمنا والذوبان فيها، أن أصنع Matrixات مصغرة بالكلمات والرموز وأنفخ في التفاعل بين شخصياتها من ذاتي أتقاسم معها حرية إرادة.
حين تكتب، إلى أي مدى يتحول النص إلى مرآةٍ تعكس العالم من حولك، أو إلى مساحة تمنح فيها جراحك معنى جديدًا؟
الإثنين معا إلى أقصى حد وما بعده.
لسنا ذكاء اصطناعي مولد نصوص لنعكس ونضخم انعكاس الواقع فقط.
هما بعدان طبيعيان للكتابة. لكن بالنسبة لي، ربما لأنني اكتب خيال علمي وفانتازيا أكثر من الدراما الإنسانية، على أي هذان بعدان أوليان بالنسبة لي، منصة انطلاق تتحول به الكتابة إلى فعل بناء.
الواقع الداخلي والخارجي أدوات لبناء مساحة سردية جديدة، تُصاغ فيها اللبنات بطريقة يفهمها القارئ لأنها تشترك مع الكاتب في مكتبة النماذج اللاواعية، “الجينات الثقافية” والوعي الجمعي للخير والشر، للألم والتضحية، وللتجربة الإنسانية المشتركة عموما.
كل ألم أو صراع نخلقه لشخصياتنا ليس عشوائيا، وأيضا لا يعني الكاتب حصريا، في رواية يوشيرو مثلا – التي تم نشرها مع دار صدى للنشر والتوزيع وستكون حاضرة في معرض القاهرة للكتاب 2026 وسيتم توفيرها عبر موقع سماوي والشحن لباب المنزل – الشخصية الرئيسية “يوشيرو” في علاقته مع والده تحاكي بعض المشاعر الشخصية التي أكنها لوالدي، لكن في نفس الوقت ذلك لا يعني أنني أريد القفز من مبنى عالي بعد أن أصيح في الصفحة 183 “سنرى الآن من يتحكم في من!”.
الأمر يشبه الصباغة بالألوان، نأخذ روح اللون العاطفي المُركز داخلنا، الألوان الأساسية التي ممكن تصنع بمزيجها الباقي، ونخلطه مع ماء لنشكل ألواحا أكثر تعقيدا من عواطفنا الشخصية.
يحصل أيضا أن نلاحظ كيف تكون احيانا أول رواية للكاتب المبتدئ حصريا قصة حياته، يفرغ على الورق جعبة ألوانه الأساسية فلا يظل له شيء يكتب به أعمالا أخرى، فتبقى تلك الرواية أو ذلك الكتاب بيضته الوحيدة التي يجلس فوقها لعقود ربما دون حتى نشرها.
نحن نحاول ككُتاب عمل ثقوب صغيرة من الأحداث داخل حكاية، تشكل شبكة من النقاط المترابطة، قد يلتطقها القارئ بوعي او بلاوعي، وقد يفعلها حتى الكاتب بوعي أو بدونه، ومن خلالها تظهر أنماط جديدة.
هذه الشبكة تسمح للقارئ أن يرى الواقع بطريقة مختلفة، ويكتشف توازنات ومفاهيم لم يكن يدركها من قبل، من خلال صراعات الشخصيات وتجاربها.
بهذه الطريقة، تكون الكتابة فعلا جسرا بين ما في داخلنا وما يمكن للآخرين أن يتعرفوا عليه، لكن هذا الجسر هو في نفس الوقت مدرج إقلاع لطائرة الوعي، تجربة مشتركة تكشف عن الروابط الخفية بين المشاعر والأفكار وتعيد ترتيب المخططات الذهنية Schema، لتخلق أفقا جديدا للفهم والتأمل واختبار الواقع.
عندما نكتب، يتحول النص إلى مرآة للعالم من حولنا ومساحة نسقط فيها بعض خساراتنا وحتى انتصاراتنا، هذا يجعل جودة المنتوج تعتمد بشكل أساسي على عمق عالم الكاتب الداخلي، وأيضا على مدى اتساع إدراكه للعالم الخارجي، وفي آخر المطاف على حكمته في استخدام الاثنين لخدمة الكتابة.
هناك حاجة لتوازن دقيق، فإذا ركز الكاتب فقط على خواطره أو على العالم الخارجي بشكل سطحي، قد يتحول النص إلى شخصيات باهتة وعوالم مبنية على كليشيهات قد تكون مربحة تجاريا لكن لا تدفع السقف الإبداعي، مع محتوى يكرر نفس المجازات: الناس ليسوا كما يبدون، بدليل حبيبي السابق أو عائلتي التي كتبت عنها رواية للتو، الحقيقة ليست كما تبدو، الحب معقد، الفقد مؤلم، السلطة فاسدة، الصداقة خادعة، الماء صالح للشرب… وما إلى ذلك.
من ناحية أخرى، إذا كان النص يميل إلى الطابع الأستاذي البارد، فقد يبدو كالكِتاب المدرسي، بلا عاطفة، بلا صراع، بلا حياة، بلا ضعف.
النجاح يكمن في المزج بين المرايا الخارجية والجراح الداخلية بطريقة حية، تجعل القارئ يرى العالم ويشعر بالعمق دون أن يمل من التكرار أو يختنق بالوعظ.
تعيش بين أكثر من وسيط: الكلمة، الصورة، الشاشة، والصفحة. كيف يؤثر هذا التنقّل في طريقتك بالتعبير، وفي نظرتك لماهية الإبداع نفسه؟
أن تكون كاتبا، أمر مغلف بالغموض والرومانسية في الثقافة، أمر “Sexy” كما يقول الكفار وكما تُصور في الثقافة العامة والأفلام، ومررت بتلك المرحلة خلال مراهقتي أيضا، حيث تبنيت فكرة “هوية الكاتب” فقط لأنني أكتب، أجيب الفتيات في الدردشات على MSN عند سؤال ماذا تريد أن تصبح بعد أن تكبر ب”أريد أن أكون كاتب”، من يعرف، ربما لو احتفظت بذلك التعلق بالهوية لنشرت مبكرا وكنت الآن مستلقيا فوق أريكة غالية اشتريتها بأرباح رواية مشهورة حول الهجرة القروية أو الحب الممنوع أو الصراع الطبقي.
لكن ما أدركته حينها، بطبيعتي العصبية، أنني لا أستطيع تجاهل الجانب الوظيفي والفعال للأشياء، وأن الولاء الأكبر لدي شئت أما أبيت هو للوظيفة نفسها أكثر من الرومانسية أو الفكرة المثالية، جانب اضطريت أروضه لاحقا ليخدم صالحا عاما عوض سعيه التقني القهري.
فحين اكتشفت وسائط التعبير المختلفة – الكلمة، الصورة، الشاشة – رأيت أنها ليست مجرد أدوات لنقل فكرة، بقدر ما هي أيضا وسيط ووعاء يحمل المعنى الخام بذاته بشكل مضغوط وواضح وسهل الفهم. الشاشة والصورة أعاداني إلى تلك اللحظات البسيطة في طفولتي حيث كنت أرسم بدل الكتابة.
اليوم، الميمز والأفلام وتحرير المقاطع القصيرة، تعمل بشكل أفضل بالنسبة لي لنقل أنماط معقدة بسرعة وبأقل جهد ممكن.
الميمز والصور تحمل رموزا عالمية يمكنني التلاعب بها بطرق تحقق ما قد يحتاج كتاب المئة صفحة لنقله:
الجوهر، الانطباع، الإيحاء.
العناصر الأساسية التي تعلق بذهن المتلقي حتى بعد قراءة الكتب.
هذا لا يقلل بأي شكل من أهمية القراءة أو الثمار العظيمة والفريدة التي تمنحها، ولا يعني أنني قد أعتمد على ما هو مرئي حصريا لوصف الحكايات، لكنه شخصيا حاليا يجعل تجربتي أكثر تقنية وفعالية. ولهذا السبب، كان وصف سيرتي الذاتية على وسائل التواصل الاجتماعي لفترة طويلة يقول “سيناريست”.
السيناريو عمل شبه أدبي تقني أكثر، ويمنحني مساحة للراحة والإبداع.
ما تم إنتاجه لحد الآن كان نشر ذاتي؛ فيلمين قصيرين، واحد بالتعاون مع منتجة وممثلة بريطانية بعنوان ESC والآخر فيلم قصير توعوعي بخصوص الإدمان على الهاتف بعنوان Scroll على يوتيوب Moroccan short mobile film، ولم يتم إنتاج أي عمل آخر بشكل رسمي لما كتبت بعد، ومعظمه مايزال في درج المكتب أو أرشيف منصة OpenScreenplay، لكن سأبذل جهدا أكبر في المستقبل القريب للحرص على إخراج تلك الأعمال وإيصالها للمتابعين التسعة.
الكتابة عند البعض اعتراف، وعند البعض الآخر انتقام صامت، ما الذي تمثله لك الكتابة في جوهرها؟ هل تراها خلاصًا، مكاشفة، أم فعلَ حياةٍ لا يمكن الاستغناء عنه؟
الكتابة بالنسبة لي فعل شمولي أكثر منها فرداني. أرى الكاتب المنتقم، والكاتب المعترف، وكل باقي الأنماط، كأدوات في منظومة أكبر.
ما أن ما يقرر الكاتب أن يُخزن أفكاره في وسيط غير محلي – كتاب – ثم يلبس حذائه بكامل إرادته ذات صباح ليزور دار نشر ويقرر نشره، لم تعُد تلك الأفكار ملكا له فقط، أصبحت جزءا من الشبكة، التي تعيد توزيع المعنى حيث يحتاجه الوعي الجمعي – وأحيانا حيت تحتاجه كينونات سياسية تسيطر على هذا الوعي الجمعي.
لهذا، أرى الكتابة كوظيفة إدراكية سحابية، يُحمل فيها الفرد تجربته الخاصة ليستخدمها الكل لاحقا في شكل أو آخر. فالدافع إلى الكتابة في أول المطاف، في جوهره، ليس مختلفا عن الدافع إلى القراءة، أو للاستيقاظ صباحا والذهاب للعمل؛ كلاهما استجابة لتيار الحياة الذي يُحركنا من الداخل نحو أداء دورنا في المنظومة.
كثيرًا ما تكتب عن الإنسان من زاوية الوعي والاضطراب. كيف ترى الكتابة كوسيلة لفهم هذا الاضطراب الإنساني أو مداواته؟
الكتابة – فلسفة، أدب، علوم – بحد ذاتها ما كانت لتوجد لولا الاضطراب. شيء ما يجب أن ينكسر كي تتحرك القصة، خلل ما يحدث أولا لتُفتح بوابة السرد، إسقاط أرضي لحقيقتنا الكونية المتجاوزة ككائنات واعية.
الكتابة بالنسبة لي تشبه الوعي وهو يتحدث بصوت مرتفع. الآن مثلا، أنا لا أتكلم، لكنك تسمعني. أنا في مكانٍ ما بعيد، ربما في دولة أو مدينة أو قارة أخرى، وفي زمن آخر “حسب توقيت نشر هذا الحوار”، ومع ذلك أخاطبك بتخاطر، حتى ولو من طرف واحد، أوحي إليك فكرة، صورة. استطعت للتو عبر حروف وكلمات منظمة جنب بعض أن أُمسك بيدك، وأجعل عقلك يذهب حيث أريد. الآن أنت تتخيل ضفدعا عملاقا فوق حبل، يقفز متنططا بقوة يكاد يفقد توازنه ويقع كل مرة هبط فيها فوق الحبل، وفي يده اليمنى كوب من الحليب.
أعتقد أننا فقدنا حس الدهشة أمام هذه الظاهرة، مثل كيف نفقد حس الدهشة أمام ظاهرة أننا على قيد حياة أصلا، أن هناك وجود، ولا يوجد عدم عوض ذلك، والقدرة نفسها التي تسمح لي أن أزرع في ذهنك صورة ضفدع فوق حبل، يمكنها أن تزرع أيضا فكرة تدفعك للحرب. فالكلمات تشعل كما تطفئ، تُخرب كما تُرمم، تربط نقطا وتشير إلى أنماط لتخلق نظاما كما تزرع فوضى.
تتأمل كثيرًا فكرة “الواقع المراقَب”. كيف غيّرت التكنولوجيا برأيك طريقة وجودنا، ووعينا بأنفسنا وبالآخرين؟
التكنولوجيا في جوهرها ليست سوى محاكاة صناعية للطبيعة، لكنها جاءت هذه المرة – بعد أن أصبح أصحابها الأغنى والأكثر نفوذا – بوعود لا يضاهي جاذبيتها سوى تهورها وعدميتها.
“لن تحتاج لتلك العصي الخشبية البدائية بعد الآن، تعال جرب البلاستيك والعب فيديو غيم”، “لا داعي للزيارة أو المكالمة، فقط أرسل رسالة، ضع تعليقا”.
هكذا تُقنعنا أن ما هو مُصنع أكثر كفاءة مما هو طبيعي، وأن الراحة يجب أن تعوض الحقيقة والمعنى، ونحن كمجموعة بشرية وقعنا في الفخ، في فخ الراحة مقابل المعنى.
التكنولوجيا في أصلها كانت تحاول تقليد الحياة، الطائرة التي وُلدت من مراقبة الطيور، والغسالة التي صنعت زعانف أفضل من مراقبة حركة زعانف الفقمة، وحتى أنظمة الذكاء الاصطناعي اليوم التي تستمد من طريقة عمل الدماغ.
المشكلة أن هذا التقليد للطبيعة، تحول إلى هيمنة واستبدال لها. شركات التقنية الكبرى لم تعد تُحاكي الاتصال الإنساني الطبيعي وتستغل ثغرات أجهزتنا الكيميائية والعصبية فقط، بل صارت مرجعه الجديد.
أصبح “الافتراضي” هو المعيار الذي نقيس به الحقيقي، خصوصا عند الأجيال الجديدة، “الترندات” و”الSlang الرقمي” مثلا أصبح النسخة أكثر واقعية. لدرجة حتى كبار السن الفنانين يضطرون لاستخدامها في أعمالهم الآن بطريقة مضحكة.
أعتقد أن هذا الجنون نجح لأنه استغل طبيعة غريزية بشرية فينا، فالإنسان بطبيعته يميل إلى تقليد ما ينجح. إذا رأى شخصا يصيد سمكتين بطريقة معينة، سيقلدها. هذا ما يحدث اليوم، لكن على مستوى الوعي الجمعي. نرى كيف تعمل خوارزميات التواصل، ذهلنا بها وبنجاحاتها، فبدأنا نقلدها، نصيغ عواطفنا بلغتها، نقيس عمق علاقاتنا بمعجمها، نعيد تشكيل تفاعلاتنا البشرية وفق نموذج صناعي كان أصلا يحاول تقليدها.
وهكذا ندور في دائرة مغلقة نحو العدمية، طبقات فوق طبقات من المحاكاة، مصفوفة داخل مصفوفة داخل مصفوفة، وكلما ابتعدنا عن الطبيعة وعن الفطرة، كلما ازددنا انفصالا عن ذواتنا الحقيقية وعن بعضنا وعن مصدرنا، وشخصيا لا أكتفي بالتأمل في هذا الواقع فقط، أحاول على الأقل أن أسخر كتاباتي لتكون مقاومة متواضعة أمام هذا الزخم والتيار الكبير لخوصصة الوضع البشري، عبر منصة irl.ma للصحة الرقمية.
الخيال عنصر حاضر بقوة في أعمالك. كيف تتعامل معه؟ وكيف يتحول في نصوصك من فكرة إلى كائن يشاركك الكتابة؟
رواية يوشيرو مثلا، بدأت بصورة ذهنية غريبة أكثر منها فكرة متكاملة، كنت ذات أربعاء أتساءل كيف يمكن بناء روبوت واع، لا أعتقد أنه ممكن طبعا لكن أتذكر أنني أجريت وقتها تجربة ذهنية سريعة أحلل فيها ما الذي يجعل الإنسان “يبدوا” إنسانا وما الذي يجعله لا يبدوا كذلك، ثم فكرت في أهمية المشاعر، وكيف أن الغدد هي العنصر الأهم في محاكاة المشاعر فيزيائيا، فظهرت الفكرة: روبوت بغدد. ومن هنا جاء المشهد الثاني في ذهني، مهندس فقد زوجته ويحاول تطبيق الفكرة في محاولة لاستعادتها، وعندما بدأت الكتابة، كنت أشارك حينها “قبل ست سنوات تقريبا” في مسابقة “اكتب رواية في 30 يوما”، ولم أكن أتخيل أن القصة ستنتهي بحروب كونية، وفدرالية قمرية، وخطوط زمنية متداخلة. لكن ما إن بدأت الكتابة حتى تدفقت العوالم دفعة تلو الأخرى، ولم أقاومها. لم يكن الأمر وحيا أو شيء، مجرد تدفق أفكار سمحت لها بالتمدد في النص. وبعد ثلاثة أسابيع، وُلد يوشيرو: الساعة الأولى، الجزء الأول من قصة طويلة.
فحسب تجربتي، يمكن الزعم أن الخيال استولى على نيتي الأولى، لكنه لم يكن فوضويا، كنت أراقبه وأروضه كما يروض الرسام ضربات فرشاته داخل إطار اللوحة. لأن الفن في النهاية له قواعد، ليس تيها عشوائيا في الصور الذهنية، بقدر ما هو نظام يحتضن الفوضى، إطار يعطي للخيال فرصة أن يعيش ويكون له معنى دون أن يلتهم صاحبه، ولن نذكر أمثلة لحصول ذلك لكي لا ينزعج إخوتنا في الAvant garde.
في اللحظة الأولى التي تتكوّن فيها الجملة، ما الذي يحدث في داخلك؟ كيف تعرف أن النص بدأ فعلاً في التشكّل؟
أعرف أن النص بدأ يتكون فعلا عندما أقرأ ما كتبت بعد الانتهاء منه وأشعر أنه متماسك على الاقل منطقيا. ومع ذلك، تبقى معركة المراجعة وإعادة الكتابة كابوسا مشتركا بين معظم الكتاب، كأنك أنجبت طفلا مشوها تحبه كما هو رغم علمك بمدى ضعف صحته كمسودة أولى، لكنك مضطر لإخضاعه لعشرات أو مئات العمليات الجراحية حتى يبدو صالحا لتقديمه لدار النشر والقارئ.
ويختلف الأمر أيضا باختلاف ما أكتب بالضبط أثناء الكتابة. مشاهد الحركة والنصوص التأريخية مثلا والمواجهة هي الأكثر متعة، أضيع فيها وكأنني أعيشها فعلا. أما المقاطع الدرامية التي يتعين فيها على الشخصية أن تذرف بضع دمعات وتعبر عن مشاعرها وكذا، فهي تستنزفني وتستهلك وقتي ب”قفلة الكاتب”، لكنني أعمل على تحسين ذلك مؤخرا، عبر الإنصات لبهاء سلطان.
تبدو مهتمًا بالعلم مثلما تهتم بالأدب. كيف توازن بينهما؟
صحيح لكن ليس تماما، أعلم أن هذا قد يبدو تطفلا على رواد ومستهلكي الأدب لكني مهتم في الواقع بكتابة الأدب أكثر من قرائته، كما ذكرت سابقا، لا تهمني الهوية الأدبية كثيرا ولا أملك ما يكفي من الرومنسية لتقديس أسماء وعناوين وكذا، لكني أرى أن الخيط الذي يربط بين العلم والأدب هو الفلسفة. فالعلم بلا فلسفة يصبح مجرد جمع للأنماط المرقمة والملاحظات من أجل نوايا مادية فارغة، والأدب بلا فلسفة يتحول إلى بكاء لذيذ لا يوفر سوى متعة عقلية.
الفلسفة هي ذلك الجسر الذي يربط مختلف مناحي المعرفة، يربط مختلف الأنماط مع بعض، والذي يسمح للعلم أن يسأل لماذا بقوانين أدبية إنسانية، وللأدب أن يفهم كيف بقوانين علمية عملية.
أما عن التوازن، فبالنسبة لي لا أراه يتأتى بفصل العالمين، بقدر ما ينفعه تداخل مستمر.
الأدوات الأدبية ممكن أن تمنحني القدرة على ترجمة الأفكار العلمية إلى صور ومعان يمكن أن تُحس، بل أصبحت اللياقة الأدبية مهمة وضرورية حتى في عرض المشاريع العلمية للحصول على التمويل، والعلم بدوره يزود الأدب بالبنية التحتية المنطقية، وعندما أكتب، خصوصا الخيال العلمي، أحاول أن أحقن النص بنبض علمي مرجعي حقيقي دون أن أفقد روحه الإنسانية.
في زمن السرعة والسطحية، كيف يمكن للكاتب أن يحتفظ ببطءه دون أن يُستبعد؟هل ترى أن التأمل أصبح نوعًا من المقاومة الثقافية؟
بالفعل، هناك دائما حركة تصحيح في النظام، نوع من المقاومة الطبيعية التي توازن الاختلالات مثل السرعة والسطحية. الثقافة أيضا تنتفع بهذه الحركات التصحيحية، انتشار الوعي بالتأمل، بالدعاء، بالصلاة، وكل هاته المقاومات هي عبارة عن أدوات انضباط، وأعتقد أن هذا هو التصحيح الحقيقي، ليس في فكرة الإبطاء بحد ذاتها، بل في الانضباط الذي يؤدي إليه. البطء هنا مجرد عرض جانبي، نتيجة طبيعية للالتزام والاتساق.
الكتابة من ناحية هي تأمل متعب، تتطلب طاقة عالية وصبرا على الجلوس الطويل في وضع واحد، على حركة واحدة، لإنهاء نشاط قد لا تحصل ورائه على مكافئة أو مكافئته طويلة الأمد، فهذا يتعب جهاز الإنسان العصبي، والكثير من الناس يملكون قصصا وأفكار وخيالا في أذهانهم لكن ليس الكل مستعد للكتابة.
الكاتب يحتاج إلى أن يجسد الانضباط بكل مكوناته: النوم المنتظم، الغذاء المتوازن، الرياضة والحركة، الانقطاع الواعي عن الملهيات والمدمنات، التأمل.
كل هذه الأدوات تُبقي الكاتب حاضرا، متزنا، وقادرا على ممارسة بطئه في عالم لا يتوقف عن الجري.
من ناحية أخرى، لم يعد العدو الأكبر للكاتب هو العالم السطحي أو الذي لا يتقبل بطأه.
الآن، مع وجود الذكاء الاصطناعي وقدرته على توليد النصوص بجودة مذهلة، أصبح من الصعب على الكاتب نفسه أن يقاوم إغراء جعل الآلة تكتب بدلا منه، وهذه ليست مشكلة تقنية بل أزمة هوية حقيقية للكاتب:
هل تبقى كاتبا إذا جعلت الذكاء الاصطناعي يعبر عن أفكارك؟
هناك اليوم شبه إجماع بين القراء والكتاب ودور النشر كذلك على أن الجواب هو “لا”، أنك لست كاتبا حقيقيا ما لم تكتب بنفسك. يمكنك أن تكون بطيئا كما تشاء، المهم أن تكون أنت من يكتب.
أعتقد أن دور النشر رغم إجماعها، تنظر للمسألة بطريقة تجارية، لحفظ موارد مراجعة المسودات والخوف من رد فعل السوق وكذا، والقارئ يقارب المسألة نظرا للجودة، التي ممكن تغير رأيه عند تطوير الذكاء الاصطناعي، ويظل فقط الكاتب هو الذي يتسائل بصدق حول هويته.
لكن السؤال الآخر الآن هو إلى متى سيصمد هذا الإجماع أمام سرعة تطور الذكاء الاصطناعي الذي يطمس تدريجيا الفاصل بين النص البشري والنص الآلي؟ وهل هناك طريقة أفضل للتعامل مع هذا التحول؟
أعتقد شخصيا أن الفن سيتفرع إلى نوعين: فن بشري عالي القيمة مصنوع باليد والفكر، ثمنه أغلى، مثل المنتوجات التقليدية، وفن آلي مصنوع بالخوارزميات، والمستهلك هو من سيختار أيهما يريد أن يقتني. لكن المفارقة أن ذوق هذا المستهلك نفسه أصبح اليوم مصطنعا، مبرمجا بدقة من نفس الخوارزميات والمنصات. فنجد أنفسنا أمام مشهد غريب، بشر تحركهم رغبات صُنعت لهم، يقررون ما إذا كانوا يريدون محتوى من صنع البشر أو من صنع الآلة، وفي وسط هذا المشهد، سيبدو الفنان البطيء – مع العلم البطيئ والأصيل في خياله ليس في تطبيقه لذلك الخيال، فهناك فرق بين من يطلب من الآلة أن تأتي له بفكرة وبين من يطلب منها أن تطبق له فكرته – كاتبا كان أو رساما أو موسيقيا، الذي يصر على أن يفكر بنفسه، هو ربما آخر من يعيش تجربة بشرية أصلية حقيقية، وربما سيكون هذا مصيرنا في مستقبل جميل متقدم إيجابي، أن نترك الآلة تتكفل بالبنية التحتية ليتفرغ الإنسان للإبداع والفن والاكتشاف.
حين تصنع فيلمًا، ما الذي تخشاه أكثر: أن لا يُفهَم أم أن يُفهَم أكثر مما ينبغي؟ هل الغموض حماية للفكرة، أم وسيلة لجعلها تتنفس أطول؟
كتبت حوالي ثمانية سيناريوهات حتى الآن وصورت اثنين منها فقط. عندما أكتب للفيلم، أكبر خوفي الراهن أثناء الكتابة ليس أن لا يُفهم، بل أن لا أنتهي من الكتابة، أو لا أبدأ حتى، هناك العشرات من الأفكار المخزنة التي لم أكتبها بعد. بعد الانتهاء من الكتابة، أبدأ بالتفكير في هل سيصل الفيلم إلى أي مكان، وعندما أبدأ التصوير، حينها أبدأ بالتساؤل عما إذا كانت المشاهد، التمثيل، الأضواء، التعديل تمثل السيناريو والحكاية كما يجب، ثم في الأخير هل سيتم فهم الهدف والمعنى في العمل أم لا، ويكون هذا نشاط عادي ضروري لا علاقة له بخوف ما مرضي أو شيء.
لكن صناعة الفيلم أكثر تقنية من كتابة الرواية، لديك فرصة أكبر لأن يُفهم الفيلم مقارنة بالكتاب. وهذا يعني أن هناك احتمالا أن يرى بعض الناس الفيلم بما يتجاوز قصد صانعه سواء بإفراط أو تفريط، وما هو واضح أو حتى سخيف لشخص قد يكون غامضا وعميقا لآخر وهذا هو الفن. يحدث أن بعض الأعمال تفشل في إيصال الرسالة، ويحدث أن تكون الرسالة ليست جديرة بالنقل حتى، ويحدث أن تضرب الرسالة وتر نمط وجودي عميق يلمسه أي مشاهد، فيشعر به مباشرة، وهذا النمط يهتز بالمعنى بقدر ما يستطيع وعي المشاهد استيعابه، وهنا يكمن سحر الغموض، كنتيجة لعمق العمل أكثر مما قد تكون هدف لوجوده.
من موقعك كباحث في الصحة الرقمية، كيف ترى ملامح العلاقة الإنسانية اليوم؟ وما الذي تبقّى من اللمس والدفء في زمن الشاشات؟
كما ذكرتُ في إجابة سابقة، نحن نعيش داخل مصفوفة صناعية تحاول أن تحل محلنا، أن تُعيد تشكيل وعينا، وعلاقاتنا، وحتى إحساسنا بذلك الدفء والاتصال الحقيقي. لكن في المقابل، هناك مقاومة طبيعية، أشبه بالغريزة الدفاعية في الإنسان، ولكي يكتمل هذا الاستبدال، عليهم أن يستبدلوا نسيجنا البيولوجي والروحي، وهذا هو الحد الذي لا يمكنهم تجاوزه.
ما تبقى من اللمس والدفء في زمن الشاشات هو ما يجعلنا ما نحن عليه، كائنات تتذكر، فمجرد الوعي بالخدعة هو كل ما تتطلبه المقاومة حاليا.
المبدع يعيش دائمًا على حافة التوتر بين ما يريد قوله وما يستطيع قوله. كيف تتعامل مع هذا التوتر حين تكتب؟
إذا كنت أعرف طريقة مثالية للتعامل مع هذا التوتر، لما كنت أفقد حساباتي على وسائل التواصل الاجتماعي كل ستة أشهر بسبب عدم الالتزام بـ “قواعد مارك زوكربيرغ” لما يُسمح قوله وما لا يُسمح.
لكنني بدأت أتعامل مع الموضوع بطريقة جيدة. الضغط الأكبر يأتي من الانزعاج عندما يُساء فهمي لأبعد حد، فهم عكس ما أعنيه تماما، هذا أحيانا يدهشني شخصيا أكثر مما يزعجني، أن تعني أن “كريم أكل التفاحة” لكن لأنك استعملت معجما غير واضح يظهر الأمر كأنك عنيت “التفاحة أكلت كريم”، ويأتي الانزعاج من الحاجة المستمرة لتوضيح أنك لا تؤمن أن التفاحة عندها وعي وأسنان وأنياب وممكن تأكل البشر.
عادة ما أستخدم مصطلحات دقيقة ومحددة أكثر من اللازم، خصوصا أن الناس عموما غير معتادين على ذلك، ويلتقطون المعنى والانطباع العام، أي ما تعلموا من الثقافة ما يقصده الآخرون باستخدام 80% من الكلمات التي استخدمتها. هذا يخلق أيضا حاجز بيني وبين الانتفاع بردود الآخرين التي قد تكون مفيدة لمعرفة ما الخطأ الذي كتبته، ويخلق تحديا كبيرا في السخرية والمزاح مع الأصدقاء، إذ يصعب عليهم أحيانا معرفة ما إذا كنت أمزح أم لا، لأنني عادة أستخدم أنماطا حقيقية وحقائق يمكن ملاحظتها، لكن السياق العاطفي يكون خفيفا وغير جاد.
لكن هذا ليس بمشكل كبير، يحصل أحيانا، أو ربما أحيانا جدا، باقي الأوقات يتم فهم ما أكتب عادي.
أما عندما يتعلق الأمر بالكتابة الروائية، فلا أقلق بشأن ذلك، كل ما أفكر فيه عادة هو أن أنهي المسودة وأعيد تحريرها حتى أتمكن من الانتقال إلى المشروع التالي، وأترك لنفسي المستقبلية، الذي سيتلقى التعليقات، أن يتحمل التوتر حيالها.
لو كان بإمكانك أن تترك وصيّة أدبية واحدة للأجيال القادمة، وصيّة تتعلق بالمعنى لا بالنجاح، ماذا تقول قبل أن تنطفئ الشاشة وتبقى الفكرة وحدها؟
ستكون الوصية أن يطفئوا الشاشة بأنفسهم، ويخرجوا للمس العشب، ويبحثوا عن المعنى في الحياة ذاتها، لا في نسختها الرقمية.
خصوصا إذا قاموا بقراءة كتاب “الدليل العملي للتخلص من الإدمان على الهاتف”، و”الطريقة السهلة المهلة للتخلص من الإدمان على الإباحية” المتوفران في جميع مواقع تحميل الكتب.
وبينما ينتهي الحوار، يبقى أثره مُعلّقًا في الهواء.
لا لأن الأسئلة وجدت أجوبتها، بل لأن الكاتب أعاد تشكيلها بطريقة تجعلها أكثر دهشة، وأكثر قدرة على استفزاز المعنى. يخرج القارئ من حديث آدم جبريل وهو يشعر بأن اللغة مساحة مفتوحة للمقاومة، وأن الكتابة فعل مساءلة لا ينتهي. وما بين بداية الطريق ونهايته، يظل الصوت الذي يصنعه الكاتب شاهدًا على أن الأدب ليس إجابة جاهزة… بل رحلة وعِيٍ تمشي بنا إلى أبعد مما نظن.






المزيد
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب