بقلم الدكتورة/اسلام محمد
استشارية الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وصاحبه كتابي (البحث عن الذات و كتاب طوظ)
الكتمان ليس صفةً عابرة، ولا موقفًا مؤقتًا، بل هو حالة نفسية يعيشها الإنسان حين يضيق صدره بما يحمل، فلا يجد مَن يُؤتمنه على سرّه، ولا يرى في العالم حضنًا آمنًا يبوح أمامه بما يُثقله. الكتمان في ظاهره قوة، لكنه في باطنه تعبٌ لا يُدركه إلا من عاشه طويلًا، واعتاد أن يخفي دموعه خلف ابتسامات هادئة.
الإنسان الكتوم غالبًا ليس ضعيفًا؛ بل هو شخص ذاق الخذلان مرةً بعد أخرى، فتعلم أن يحتفظ بألمه داخل قلبه كي لا يتكرر الألم من الآخرين. تعلّم أن السكوت أسلم، وأن الكلام قد يُفسَّر خطأ، وأن البوح قد ينقلب يومًا ما إلى سلاح في يد من لا يرحم. لذلك يصبح الكتمان بالنسبة له درعًا يحميه، وملاذًا يلجأ إليه حين يشتد عليه الوجع.
وفي الكتمان نوع من الحِكمة… فليس كل ما نشعر به يُقال، ولا كل ما نفكر فيه يصلح أن يكون موضوعًا للنقاش. أحيانًا نختار الصمت لأن الكلام لن يغيّر شيئًا، ونختار الكتمان لأن البوح لن يداوي جرحًا، ولن يعيد حقًا، ولن يُصلح قلبًا كُسر.
لكن الكتمان رغم حكمته، مؤلم. يحمل داخله صراعًا بين رغبة في البوح وضرورة في الصمت. الإنسان قد يتمنّى في لحظةٍ ما أن يجد أذنًا تسمع دون حُكم، وقلبًا يحتوي دون حساب، وكتفًا يُسند دون أن يسأل: “لماذا؟ وكيف؟”
فالكتوم يشعر كثيرًا، لكنه يبوح قليلًا. يحب بعمق، ويخاف من الفقد. يتألّم بصمت، ويخشى أن يُخبر الناس فيسألوه أسئلة تزيده وجعًا.
وللكتمان أثر على الروح؛ فهو يرهقها ويثقلها، ويجعل الإنسان صامتًا أكثر من اللازم، وحذرًا أكثر مما ينبغي. وقد يظن البعض أن الشخص الكتوم لا يهتم، لكنه في الحقيقة يهتم أكثر مما يتوقعون… فقط لا يعرف كيف يعبر، أو لم يعد يثق في أن البوح آمن.
وفي النهاية، الكتمان ليس ضعفًا، ولا جفاءً، بل هو طريقة دفاعية يحمي بها الإنسان نفسه مما لا يحتمله قلبه. لكن أجمل ما قد يرزق الله به الإنسان، شخصًا يُشعره أن البوح معه لا يُخيف، وأن الكلام بين يديه أمان، وأن أسرار القلب لا تضيع عنده.






المزيد
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق