مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عاد الحُزنُ لِي موطِنًا بقلم بشرى إياد 

ماتَ حبيبي…

ومعَهُ انطفأت شُموعُ أيّامي،

توارَتِ الشّمسُ خلفَ ظلالٍ ثقيلة،

وأضحى قلبي قبرًا يئنُّ بأوهامي،

فما عادَ للعمرِ طعمٌ،

ولا باتَ للفرحِ مكانٌ في عالمي.

 

عادَ الليلُ يسامرني،

لكنّه لم يعُد صديقًا يُواسي،

بل صارَ سكينًا يطعنُ صمتي،

ويغرقُ في روحي بين الأنفاسِ،

أحادثُ النجومَ التي تخذلني،

وأُعاتبُ القمرَ الذي لم يأتِكَ بخبرِ حزني.

 

أينَ أنتَ؟

أينَ ضحكتُكَ التي كانت تسكُنُ أذني؟

أينَ حديثُنا الذي كنا نخطُّ بهِ أحلامَ الغدِ؟

أينَ وعدُكَ أنّكَ لن تترُكني؟

كنتَ لي وطنًا في غربةِ نفسي،

فكيف تركتَ روحي تتيهُ في هذا المدى؟

 

كنتَ ملجأي حينَ تقسو الحياة،

كنتَ ضيائي في عتمةِ الطُرقات،

وها أنتَ الآن ترحلُ،

تترُكُني وحيدةً بينَ أنقاضِ الذكريات،

كأنَّ الحياةَ أغلقت أبوابَها بوجهِي،

وتركتني أغرقُ في بحارٍ بلا شطآن.

 

تركتني وحيدة،

وكلُّ زاويةٍ تُناديني باسمِكَ،

كلُّ صورةٍ تُمزِّقُني،

كلُّ ذكرى تُعيدُني إلى حُطامِ قلبي،

حتى الهواءُ باتَ يختنقُ في صدري،

وكلُّ نفسٍ يُعيدني إلى ألمِ الغياب.

 

أبكيك في ليلي وفي نهاري،

ولا مجيب سوى صدى حُزني،

لو كان الدمعُ يردُّ الغائبين،

لفاضت عيني بمحيطٍ مِنَ الأشجانِ،

لكن الدمعَ ما هو إلا مرآةٌ للفقد،

وأنا غريقةٌ في مرآتي التي لا تُكسر.

 

وها أنا أمشي بينَ الوجوهِ غريبة،

لا أجدُ من يُمسكُ يدي،

لا أجدُ من يُواسي وحدتي،

كأنّ الكونَ بأسرهِ قد انطفأ،

حتى أصواتُ البشرِ باتت بعيدة،

كأنّهم يتهامسون من عالمٍ آخر.

 

أخبرني، هل تسمعني هناك؟

هل تشعرُ بعذابي؟

هل ترى كيفَ أنهارُ كلَّ ليلةٍ،

وأجمعُ أنفاسي كلَّ صباحٍ بصعوبة؟

كنتَ حياتي،

فكيف للحياةِ أن تستمرَّ دونكَ؟

كنتَ نبضَ قلبي،

والآنَ قلبي ينبضُ وجعًا فقط.

 

يا فقيدي،

أرى في السماءِ بريقًا يُشبهُ عينيكَ،

فهل أنتَ هناكَ تُراقبني؟

هل تشعرُ بخوفي حين يُداهمني الليل؟

هل تراني وأنا أغلقُ عينيّ لأراكَ في أحلامي؟

 

سأظلُّ أكتبُ إليكَ رسائلَ لن تصل،

وأملأ صفحاتِ حياتي بكَ،

أُحدثُ صورتكَ كأنها تُجيبني،

وأرسمُ ملامحَ صوتِكَ في مخيلتي.

 

ماتَ حبيبي…

ومعهُ ماتت أيّامي،

لا أملكُ سوى ذكرياتٍ تنهشني،

وصورٍ تتكدّسُ في زوايا روحي،

حتى اسمي باتَ غريبًا على شفتي،

فما عادَ لي كيانٌ بعدكَ.

 

سأنتظرُك،

حتى لو كان الانتظارُ طيفًا من الخيال،

سأظلُّ أنادي اسمكَ،

حتى يُجيبني الصمتُ بنداءِ الرحيل،

فلا راحةَ لي سوى في أملٍ بعيد،

أن يكون اللقاء يومًا ما هناك…

حيثُ لا فراق، ولا ألم، ولا وداع.