بقلم/ داليا فرج الطواب
في عالمنا المعاصر، أصبحنا نُقاس بما ننجزه لا بما نحن عليه، وتحولت حياتنا إلى سباق محموم نحو “الأفضل” و”الأسرع” و”الأكثر نجاحًا”. نركض خلف قائمة مهام لا تنتهي، وما إن نصل إلى هدف حتى يباغتنا القلق بشأن الخطوة التالية، وكأننا في مطاردة أبدية مع سراب لا يروي ظمأنا أبدًا.
هذا “الركض” الدائم لم يسلبنا وقتنا فحسب، بل جعلنا نفقد القدرة على تذوّق اللحظة الحالية في أبسط صورها؛ فالقهوة تُشرب على عجل بينما أعيننا تلاحق بريدنا الإلكتروني، والكتب تُقرأ لاكتساب معلومة سريعة أو لتسجيل رقم جديد في قائمة القراءات السنوية، لا لمتعة القراءة ذاتها.
حتى مشاعرنا تجاه نجاحاتنا الشخصية أصبحت باهتة وعابرة، لأننا مشغولون ذهنيًا بالتخطيط لنجاح الغد، ومقارنة أنفسنا بما يعرضه الآخرون على شاشات التواصل الاجتماعي من حيوات تبدو مثالية وخالية من العثرات.
لقد نسينا، وسط هذا الزحام الخانق، “حقنا في العادية”، وحقنا الأصيل في أن نكون متعبين، أو متوقفين قليلًا، أو حتى غير منتجين دون أن يطاردنا شبح الشعور بالذنب. إن القيمة الحقيقية للإنسان لا تكمن في عدد المهام التي شطبها من مفكرته اليومية، ولا في حجم التصفيق الذي يتلقاه من العالم الخارجي، بل تكمن في قدرته على الحفاظ على دهشته الأولى وسلامه النفسي وسط هذا الضجيج العالمي.
نحن اليوم بحاجة ماسّة إلى استعادة “فن التمهّل”، وأن ندرك بوعي كامل أن توقفنا لبرهة لالتقاط الأنفاس لا يعني الفشل أو الانسحاب من السباق، بل هو “استراحة محارب” ضرورية لترميم الروح التي أرهقتها التوقعات العالية.
الحياة في جوهرها ليست مجرد مشروع ضخم ننتظر لحظة تسليمه لننال الرضا، بل هي تلك السلسلة الرقيقة من التفاصيل الصغيرة، والضحكات العفوية، واللحظات الصامتة التي تضيع منا بينما نحن مشغولون بملاحقة “الإنجاز الكبير”.
إن استعادة ذواتنا تبدأ حين نتصالح مع فكرة أننا بشر لسنا بحاجة إلى أن نكون في حالة إنتاج مستمر لنستحق الاحترام. ففي النهاية، نحن نعيش لنختبر الحياة بكل تقلباتها، لا لكي نكون مجرد تروس في آلة لا تتوقف عن الدوران.






المزيد
كأس العالم مرآة للانقسام العربي
أن تكوني النجاة… لنفسكِ
ثقتك بنفسك ليست رفاهية: دليلك للنجاة من ضغوط الحياة اليومية