مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عندما يتحدث الجميع… ولا يسمع أحد بقلم الكاتب هانى الميهى

عندما يتحدث الجميع… ولا يسمع أحد

الكاتب هانى الميهى 

 

الفصل التاسع

السر

 

لم تصبح المشكلة أن الناس لا يتكلمون… بل أن كل واحد منهم ينتظر دوره فى الكلام.

 

 


 

أحيانًا أجلس بين مجموعة من الناس، فأسمع أصواتًا كثيرة، لكننى لا أشعر أن أحدًا يسمع أحدًا.

 

الجميع يتحدث.

 

الجميع يشرح.

 

الجميع يروى.

 

لكن شيئًا ما غائب.

 

شيئًا كان يجعل الكلمات تصل إلى قلوب من يسمعونها.

 

 


 

لم يكن الإصغاء يومًا مجرد مهارة.

 

كان شكلًا من أشكال المحبة.

 

حين تمنح إنسانًا انتباهك الكامل، فأنت تخبره دون كلمات أنه مهم.

 

أن ما يشعر به يستحق أن يُروى.

 

وأن وجوده ليس تفصيلًا عابرًا فى يومك.

 

لكننا أصبحنا نمنح كل شىء انتباهنا…

 

إلا بعضنا.

 

 


 

كم مرة تحدثت مع شخص، وشعرت أنه لا يسمعك؟

 

عيناه أمامك…

 

لكن عقله فى مكان آخر.

 

ينتظر أن تنتهى.

 

لا ليفهمك…

 

بل ليبدأ الحديث عن نفسه.

 

وكأن الحوار تحول من جسر بين روحين…

 

إلى ساحة يتنافس فيها الجميع على الظهور.

 

 


 

أخشى أن الإنسان المعاصر أصبح محاطًا بالكلمات أكثر من أى وقت مضى…

 

ومحرومًا من الفهم أكثر من أى وقت مضى.

 

نكتب كثيرًا.

 

وننشر كثيرًا.

 

ونعلق كثيرًا.

 

لكن كم مرة شعرنا أن أحدًا فهم ما لم نقله؟

 

ما بين الكلمات؟

 

ما خلف الابتسامة؟

 

ما خلف الجملة القصيرة التى أخفت وجعًا طويلًا؟

 

 


 

الحقيقة أن معظم الناس لا يحتاجون حلولًا بقدر حاجتهم إلى من يسمعهم.

 

لا يحتاجون دائمًا إلى نصيحة.

 

ولا إلى تفسير.

 

ولا إلى محاضرة.

 

أحيانًا يحتاج الإنسان إلى شخص يجلس أمامه ويقول له بصمته:

 

“تكلم… أنا هنا.”

 

 


 

لقد أصبح العالم سريعًا إلى درجة أن الإصغاء صار عملة نادرة.

 

كل شىء يجرى.

 

الأخبار تجرى.

 

والأيام تجرى.

 

والناس تجرى.

 

حتى المشاعر أصبحت تُختصر فى رموز صغيرة.

 

لكن القلب لا يتحدث بهذه السرعة.

 

القلب يحتاج وقتًا.

 

ويحتاج أذنًا صبورة.

 

ويحتاج حضورًا حقيقيًا.

 

 


 

أتأمل العلاقات التى بقيت طويلة رغم تغير السنين.

 

فأجد أن السر لم يكن فى كثرة الكلام.

 

بل فى وجود شخصين يعرف كل منهما كيف يصغى للآخر.

 

فالإصغاء ليس انتظارًا صامتًا للدور.

 

الإصغاء أن تترك نفسك قليلًا…

 

لتدخل إلى عالم إنسان آخر.

 

 


 

وربما لهذا السبب أصبحت الوحدة أكثر قسوة.

 

لأن الإنسان لا يشعر بالوحدة حين يكون بلا ناس.

 

بل يشعر بها حين يتحدث كثيرًا…

 

ولا يصل منه شىء.

 

حين يشرح نفسه مرارًا…

 

ولا يجد من يفهم.

 

حين يمتلئ صدره بالكلام…

 

ويظل قلبه فارغًا من الطمأنينة.

 

 


 

ما أجمل أن تجد إنسانًا لا يقاطعك ليخبرك أنه مر بالتجربة نفسها.

 

ولا يسرق الحديث ليجعله عن نفسه.

 

ولا يبحث عن جواب سريع.

 

بل يمنحك تلك الهدية النادرة…

 

هدية الإصغاء.

 

فبعض الجراح لا تحتاج دواء.

 

بل تحتاج من يسمع ألمها حتى النهاية.

 

 


 

أخشى أن أعظم ما فقدناه فى زمن الاتصال…

 

ليس الوقت.

 

ولا التركيز.

 

ولا الخصوصية.

 

بل القدرة على الإنصات.

 

لأن الإنسان حين يتوقف عن الإصغاء…

 

يتوقف تدريجيًا عن الفهم.

 

وحين يتوقف عن الفهم…

 

يبدأ فى الابتعاد عن الآخرين، حتى لو كان بينهم.

 

 


 

رسالة الفصل

 

أحيانًا يكون أعظم ما تقدمه لإنسان ليس كلمة تقولها… بل انتباهًا كاملًا تمنحه له.

 

تمهيد الفصل العاشر

 

لكن إذا كانت الصداقة قد تغيرت، والإصغاء أصبح نادرًا، فماذا حدث للحب نفسه فى زمن الإشعارات والرسائل السريعة والغياب الذى لا يحتاج إلى وداع؟

meritking   grandpashabet   meritking   meritkin   meritking   grandpashabet   meritking   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet