مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لماذا أصبح بعض الأبناء يبتعدون عن آبائهم رغم أنهم يعيشون معهم تحت سقف واحد؟

كتب عبد الرحمن شعبان سعد:

 

من أصعب المشاهد التي يمكن أن يعيشها الإنسان أن يرى بيتًا يجمع أفراد الأسرة تحت سقف واحد، لكن كل شخص فيه يعيش وكأنه في عالم منفصل عن الآخرين. أب يجلس في غرفة، وابن يقضي معظم وقته أمام هاتفه، وأم تحاول أن تجمع أفراد الأسرة حول مائدة واحدة، لكن القلوب نفسها لم تعد تجتمع كما كانت.

 

إن أخطر أنواع الغياب ليس أن يبتعد الإنسان عن بيت أسرته، بل أن يكون موجودًا بينهم بجسده، وغائبًا عنهم بقلبه. وهذا النوع من الغياب أصبح مشكلة حقيقية في بعض الأسر، حيث يعيش الأبناء مع آبائهم سنوات طويلة، لكنهم لا يشعرون بالقرب منهم، ولا يجدون مساحة للحديث، ولا يملكون الشجاعة للتعبير عما يؤلمهم.

 

وقد يعتقد بعض الآباء أن توفير الطعام والملابس والتعليم وكل الاحتياجات المادية هو كل ما يحتاجه الأبناء، لكن الحقيقة أن الأبناء يحتاجون إلى شيء آخر لا يقل أهمية عن المال، وهو الشعور بأن هناك أبًا يسمعهم، وأمًا تفهمهم، وبيتًا يستطيعون العودة إليه عندما تضيق بهم الحياة.

 

فالابن الذي لا يجد من يسمعه داخل بيته قد يبحث عن شخص آخر يسمعه خارجه، والابنة التي لا تجد الاحتواء في أسرتها قد تبحث عنه في علاقة قد لا تكون آمنة، والشاب الذي يخشى الحديث مع والده عن أخطائه قد يختار الصمت أو يلجأ إلى أصدقاء قد يقودونه إلى طريق خاطئ.

 

وهنا لا يكون الخطأ دائمًا في الأب أو الأم وحدهما، فقد يكون الأبناء أيضًا قد ابتعدوا بسبب انشغالهم أو تأثرهم بأصدقاء أو وسائل تواصل جعلتهم يعيشون داخل عالم خاص بهم. لكن مسؤولية الأسرة تظل قائمة في أن تسأل أبناءها عن سبب هذا البعد بدلًا من الاكتفاء بلومهم عليه.

 

ومن أخطر أسباب المسافة بين الآباء والأبناء أن بعض البيوت لا تعرف لغة الحوار، فالأب يتحدث والأبناء يستمعون، وإذا حاول أحدهم التعبير عن رأيه اعتُبر ذلك تمردًا أو قلة احترام. ومع الوقت يتعلم الابن أن الصمت أكثر أمانًا من الكلام، فيتوقف عن مشاركة أسرته تفاصيل حياته، ثم يكبر وهو يحمل بداخله عالمًا كاملًا لا يعرف عنه أهله شيئًا.

 

وهناك آباء لا ينتبهون إلى أن المقارنة المستمرة بين الأبناء قد تهدم العلاقة بينهم وبين أسرهم. فعندما يسمع الابن طوال الوقت أن أخاه أفضل منه، أو أن ابن الجيران أكثر نجاحًا، أو أن زميله أكثر تفوقًا، فإنه لا يشعر بالحافز فقط، بل قد يشعر أنه غير محبوب كما هو.

 

كما أن بعض الآباء يعتقدون أن الشدة الدائمة هي الطريق الصحيح للتربية، بينما الحقيقة أن التربية تحتاج إلى الحزم والرحمة معًا. فالابن يحتاج إلى أن يعرف الخطأ والصواب، لكنه يحتاج أيضًا إلى أن يشعر أن الخطأ لا يعني أنه فقد مكانته في قلب أسرته.

 

والأخطر من ذلك أن بعض الأسر لا تكتشف حجم المسافة بينها وبين أبنائها إلا بعد فوات الأوان. قد يكتشف الأب أن ابنه يمر بأزمة كبيرة منذ شهور ولم يخبره، وقد تعرف الأم أن ابنتها تعاني من مشكلة نفسية أو اجتماعية بعد أن أصبحت المشكلة أكبر من قدرتها على السيطرة عليها. وهنا ندرك أن القرب الحقيقي ليس أن نعيش في المنزل نفسه، وإنما أن نعيش في حياة بعضنا البعض.

 

الحلول العملية والإيجابية

 

أن يخصص الآباء وقتًا حقيقيًا للجلوس مع أبنائهم بعيدًا عن الهواتف والشاشات.

 

أن يستمع الأب لابنه حتى النهاية قبل أن يحكم عليه أو يعاقبه.

 

أن يتعلم الآباء الفرق بين التربية وبين السيطرة، فالتربية تبني شخصية مستقلة أما السيطرة فتصنع شخصًا يخاف من الكلام.

 

أن يتوقف الآباء عن المقارنة بين الأبناء، لأن لكل ابن شخصيته وقدراته وطريقته الخاصة.

 

أن يكون البيت مكانًا آمنًا للاعتراف بالخطأ، حتى يستطيع الابن أن يطلب المساعدة قبل أن تتفاقم المشكلة.

 

أن يعبر الوالدان عن محبتهم لأبنائهم بالكلمات والأفعال، لأن الحب الذي لا يُعبَّر عنه قد لا يشعر به الطرف الآخر.

 

أن يتعلم الأبناء أيضًا احترام آبائهم والاستماع إلى نصائحهم، وأن يدركوا أن اختلافهم معهم لا يعني القطيعة أو الجفاء.

 

أن تتعامل الأسرة مع الخلافات بالحوار، وأن تبحث عن جذور المشكلة بدلًا من الاكتفاء بعقاب النتائج.

 

أن يحرص الأب والأم على معرفة أصدقاء أبنائهم واهتماماتهم ومشكلاتهم دون تجسس أو انتهاك للخصوصية.

 

الرؤية الإسلامية

 

قال الله تعالى

 

﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾

 

سورة الإسراء الآية 23

 

وقال سبحانه

 

﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾

 

سورة الإسراء الآية 24

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

« كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها »

 

رواه البخاري ومسلم

 

وقال صلى الله عليه وسلم

 

« ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا »

 

رواه الترمذي

 

الرؤية المسيحية

 

جاء في الإنجيل

 

« أَيُّهَا الأَوْلَادُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هَذَا حَقٌّ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ »

 

رسالة أفسس 6 : 1-2

 

وجاء أيضًا

 

« وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لَا تُغِيظُوا أَوْلَادَكُمْ، بَلْ رَبُّوهُمْ بِتَأْدِيبِ الرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ »

 

رسالة أفسس 6 : 4

 

وتوجد في الإسلام والمسيحية دعوة واضحة إلى بناء علاقة قائمة على الرحمة والاحترام والمسؤولية بين الآباء والأبناء. فالوالدان لهما مكانتهما وحقوقهما، والأبناء لهم احتياجاتهم النفسية والإنسانية التي لا ينبغي تجاهلها. والأسرة القوية ليست التي يخاف فيها الأبناء من آبائهم، ولا التي يفرض فيها الآباء أوامرهم بالقوة، وإنما التي يجتمع فيها الاحترام مع الرحمة، والحزم مع الحكمة، والسلطة مع المسؤولية.

 

وفي النهاية فإن البيت الذي لا يسمع فيه الأب صوت ابنه الحقيقي قد يتحول مع الوقت إلى مكان يجتمع فيه الأجساد وتغيب عنه الأرواح. ولا يكفي أن تسأل ابنك هل أكلت، أو هل ذاكرت، أو هل عدت إلى المنزل، ثم تعتقد أنك تعرف حياته. اسأله أيضًا ماذا يؤلمك؟ ماذا تخاف؟ ما الذي يشغلك؟ وما الشيء الذي تتمنى أن يفهمه والداك عنك؟

 

وأيها الأب، لا تنتظر حتى يكبر ابنك ويصبح غريبًا عنك ثم تتساءل أين ذهب ذلك الطفل الذي كان يحكي لك كل شيء. وأيتها الأم، لا تظني أن ابنتك بخير لمجرد أنها تبتسم أمامك. اقتربوا من أبنائكم قبل أن يبحثوا عن القرب خارج بيوتكم، واسمعوهم قبل أن يصبح شخص آخر هو الوحيد الذي يسمعهم، واحتووهم قبل أن يجدوا احتواءً قد يقودهم إلى طريق لا تعرفون نهايته.

 

فالأبناء لا يحتاجون إلى بيت كبير بقدر ما يحتاجون إلى قلب كبير، ولا يحتاجون إلى والدين لا يخطئون، بل إلى والدين يشعرون معهم بالأمان. لأن أجمل ما يمكن أن تمنحه الأسرة لأبنائها ليس المال وحده، ولا التعليم وحده، ولا الحماية وحدها، وإنما أن تمنحهم يقينًا عميقًا بأنهم مهما أخطأوا أو تعثروا، سيجدون في بيتهم مكانًا آمنًا يعودون إليه.

mariobet   mariobet   mariobet   meritking   meritking   meritking   grandpashabet   meritking   meritkin   meritking   grandpashabet   meritking   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet