كتب محمد طاهر سيَّار الخميسي.
في ظل العدوان الإسرائيلي الغاشم على غزة، برزت أصوات أدبية قوية، حملت رسالة الحق والحرية. ومن بين هذه الأصوات، كانت هناك فتاة أدبية شابة، تركت وراءها إرثًا من الكلمات التي تنبض بالحياة، وتفيض بالألم. قصتها هي شهادة على صمود غزة وقوة إرادتها، رغم كل المعاناة والحصار.
ما أنسى، ولا يمكن أن أنسى تلك الفتاة الأديبة، التي ارتفعت روحها الطاهرة إلى الفردوس الأعلى، مخلفة وراءها إرثًا خالدًا من الكلمات التي تنبض بالحياة، وتفيض بالألم، وتنزف بالحقيقة. كانت من حسناوات الأرض، لا بجمال وجهها فقط، بل بجمال روحها، ومن النجوم المتلألئة في سماء الإبداع، تتنفس الكرامة وتنطق بالحرية، وتجعل من الحرف مقاومة ومن الكلمة جدارًا أمام الطغيان.
كنت أتابع نصوصها الأدبية بشغف، فقد كتبتها بمداد من دم الشهداء ودموع الأطفال. كانت كلماتها تلامس أعماقي، كأنها تخاطب ضميري مباشرة، وكانت تقول لي: *أرواحهم صعدت إلى علياء السماء، لتسكن بجوار الأنبياء والصديقين في دار القرار* لن أنسى فضلها، ولا حياءها، ولا شرفها، ولا طهارة قلبها. لقد كانت صبورةً، محتسبةً، تواجه المحن والخطوب بقلبٍ لا يلين، وبروح لا تنكسر.
كانت أماً لأطفالها، وأمًا لأيتام الأهالي، تحمل همومهم، وتتألم لأجلهم، ولكنها كانت عاجزةٌ عن توفير الأمان والطعام والتعليم لهم. كانت تعيش معهم في خيمةٍ مهترئةٍ، معتمة عند المساء، بلا مدفأة تحميهم من قسوة الشتاء، ولا ملابس شتويةٍ تقيهم برده، ولا بطانياتٍ تدفئ أجسادهم الصغيرة. وفي الصيف، كانت الشمس تحوّل خيمتهم إلى فرن لاهب لا يُطاق. ورغم كل ذلك، لم تكن تملك سوى كرامتها التي لم تفرط بها، وعزتها التي لم تتنازل عنها.
استُشهد أهلها جميعًا في غارات الاحتلال الإسرائيلي الغاشمة، وبقيت وحيدةً مع أطفالها الصغار، تحت القصف، بلا طعامٍ ولا ماءٍ ولا أمان. كانت تكتب عن معاناة غزة، عن حصارها الطويل، عن الجوع والخوف والفقد. وكنت كلما قرأت لها، أجهش بالبكاء، لشدة ما يحملونه من خذلان، ولعظم ما يعانونه من حرمان. قلبي يتفطر وجعًا، وعيني تفيض قهرًا، لعجزي عن نصرتهم في وجه هذا الطغيان.
(كلمات الوداع الأخيرة)
آخر مشاركة لها في المجلة، كانت بعنوان “وداعًا”. كتبت فيها:
“أكتب لكم اليوم لأقول وداعًا… الرصاصة التي ستحملني إلى السماء أصبحت قريبة جدًا. سأترك أطفالي وحيدين، لكنني أترك لهم كلماتي، لتكون لهم درعًا في وجه العالم، وملاذًا حين يشتد عليهم الخوف. سأكون هناك، في علياء السماء، أراقبهم، وأدعو لهم بالنصر والسلام.
وفي صباح اليوم التالي، جاءني النبأ المفجع: استُشهدت في غارة غادرة استهدفت خيمتها، ورحلت، تاركة خلفها أطفالًا يتامى وكلمات تخلد ذكراها. شعرت وكأن الأرض انشقت تحت قدمي، وكأن السماء خُرقت من حزنها. لم أستطع تصديق أن تلك الروح التي كتبت بحبر من دموع وألم وشهداء، قد غادرت إلى الأبد.
(فراغٌ لا يُملأ)
بكيت بحرقة لم أعهدها من قبل. أحسست بفراغ كبير في قلبي، وبغصة لا تذوب. صدمتي كانت أكبر من أن تُحتمل. لن أقرأ لها نصًا جديدًا، لن أسمع صوتها الحزين الذي يشبه نشيد وطن مكلوم، لن أرى ابتسامتها التي كانت تخفي خلفها جراح أمة بأكملها. رحمها الله وأسكنها فسيح جناته، وألهم أطفالها الصبر والسلوان، وبارك في كل من يحمل همّهم من بعد رحيلها.
(إرثٌ لا يموت)
سأبقى أحمل ذكراها في قلبي، كقنديل لا ينطفئ، وسأواصل نشر كلماتها، لتكون شاهدةً على صمودها وقوتها ونبل قضيتها. ستبقى حيّة في وجداننا، وسأدعو لها في كل سجدة، وفي كل لحظة حنين. سأعمل على نشر إرثها الأدبي والإنساني، ليبقى حيًا في ذاكرة الأمة، وليعرف العالم من هي المرأة الفلسطينية التي قاومت بالقلم بعد أن خذلها العالم.
(غضبٌ لا يُكتم)
وفي كل مرة أتذكّر قصتها، أشعر بالحزن والأسى، لكنني أيضًا أشعر بالفخر والإعجاب بصمودها. كانت نموذجًا للمرأة الفلسطينية الصامدة، التي تواجه الموت بلا خوف، وتكتب تحت القصف، وتحتضن أبناءها وسط الركام. كانت أيقونة للنضال، ومثالًا حيًا على أن الكلمة قد تكون أقوى من الرصاصة.
لكن، لا أستطيع أن أكتم صرخة الغضب. صرخة الخذلان من صمت الأنظمة، من تواطؤ المتخاذلين، من أولئك الذين يرون الدمار ولا يتحركون، يسمعون صراخ الأطفال ولا يلتفتون، يشاهدون العدوان ولا ينددون. كيف يمكن أن نسكت عن العدوان الإسرائيلي الغاشم؟ كيف يمكن أن نرى غزة تموت كل يوم ولا نتحرك؟ أين ضمير الأمة؟ أين صوتها؟ أين رجولتها؟
(أملٌ من بين الركام)
رغم كل هذا الألم، هناك بصيص من أمل لا ينطفئ. في كلمات الشعراء، في خُطب الأحرار، في أصوات القنوات التي ما زالت تفضح الاحتلال، في الشعوب التي تهتف للحق وتبكي غزة من قلبها. هناك من يرفع صوته ويطالب بالحرية، من يواجه الكذب بالحقيقة، والظلم بالكلمة، والخيانة بالوفاء.
أما أولئك الذين يصمتون، أو يبررون، أو يخفون الحقائق، فهم لا يخذلون غزة فقط، بل يخذلون إنسانيتهم، ويعززون الاحتلال ويغذّون جرائمه.






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى