سقوط الجسد بقلم عبدالعليم حمد الحاج
في أحشاء الليل الدامي للفاشر، حيث يختلط صوت الرصاص بأنين الريح، وقف الجندي الأخير، جسده المنهك كشجرة تقاوم عاصفة الزمن، يمسك بسلاحه كأنه يعانق الأرض التي ربته. لم يكن يقاتل للعز فحسب، بل للكرامة التي تتراقص مع الدم المسفوك، للأرض التي تحمل في ترابها قصص أجيال لم تستسلم. خمد الصوت الأخير، رصاصة أخيرة تشق السماء كصرخة الوحدة، ثم سقط واقفا، واقفا، واقفا، كأن الموت لم يستطع أن يلوي ظهره، كأنه يقول للجدران المتصدعة: “أنتم شهودي، وأنا حارسكم إلى الأبد”.
سقطت المدينة، لكنها لم تسقط كما يسقط الأوراق في الخريف؛ بل بقيت كرامتها ترفل في الغبار، كراية الأرواح التي لا تموت. غابت الأجساد، ذهبت مع الأبراج المحترقة والشوارع المدمرة، لكن الروح بقيت تحلق فوق الجدران، تحلق، تحلق، تحلق، كطائر جريح يحمي وردة أخيرة من حديقة الذاكرة. كل حجر هنا يتكلم، يتكلم، يتكلم، بلغة الألم المكبّر، يروي قصة أبناء لم يركعوا، لم يبيعوا أرضهم للغاصبين، بل بذلوا الأرواح ليبقى الفخر ينبض في صدر الأرض.
الفاشر لم تهزم، بل خذلت من قبل العالم الذي نام وهو يسمع صرختها، خذلت لكنها توقفت لتكتب فصلا جديدا، فصلا من دم ونار، من أمل يزهر من رماد الخيانة. هي ليست نهاية، بل بداية صوت أعلى، صوت الأرواح التي ترفض الغياب، وتعيد كتابة تاريخها بحبر الصبر والكبرياء. في كل زاوية منها، يبقى الجندي واقفا، يحرس الأفق، حتى يعود الفجر ويملأ الجدران بنور العدل المنتظر.






المزيد
حين يمسك الحبُّ بيدك… بينما تحترق ملامحك في صمتٍ لا يُرى بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
في غياهب الحنين بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي
ثِقل البداية بقلم الكاتب هانى الميهى