الهارب والمطارد – فلسفة التعلّق والانسحاب بقلم الكاتب هانى الميهى
الفصل الحادي عشر: ما بعد الهروب – لحظة المواجهة مع الذات
الجزء الأول
حين يهرب الإنسان، يظن أنه ينجو.
يعتقد أن المسافة كفيلة بإخماد النار، وأن الغياب دواء كافٍ لجراحٍ لم تُعالج بعد.
لكنه لا يدرك أن الهروب لا يُطفئ شيئًا، بل يؤجل الاشتعال حتى اللحظة التي يجد فيها نفسه وجهًا لوجه أمام مرآته.
فالمطارد يركض نحو الآخر، والهارب يركض منه.
لكن كليهما، في النهاية، يلتقي بنفسه، ولو بعد حين.
هناك فقط، تبدأ المواجهة الحقيقية:
حين لا يوجد من تبرّر أمامه، ولا من تُلقي عليه اللوم، ولا من تختبئ خلف حضوره أو غيابه.
في تلك اللحظة، يصمت كل شيء إلا داخلك.
تسمع صوتك كما لم تسمعه من قبل،
ممتزجًا بندمٍ قديم وأسئلةٍ مؤجلة وذكرياتٍ ما زالت تنبض بالحيرة.
تكتشف أن الهروب لم يكن من الآخر بقدر ما كان من ذاتك،
من صورتك الضعيفة، من خوفك أن تُكشَف حقيقتك أمام من رأى فيك أكثر مما رأيت أنت في نفسك.
الوجع بعد الهروب لا يشبه أي وجع آخر.
إنه وجع الوعي،
حين تدرك أنك حملت معك الألم بدل أن تتركه.
هربت بالجراح لا منها،
فصارت حقيبتك مليئة بما لم تقل، وبمن لم تعد، وبأمانٍ لم تكتمل.
وحين تنظر في المرآة، لا ترى وجهك المعتاد.
ترى ظلك…
تسأله: “هل كنت الهارب؟ أم المطارد؟”
لكنه لا يجيب.
يبتسم بسخرية كأنما يقول:
“كنت الاثنين معًا… ولم تفهم بعد.”
المواجهة مع الذات ليست عقابًا… بل بداية الخلاص.
فما لم تقدر على النظر إليه داخلك،
سيظل يطاردك أينما ذهبت.
#الهاربوالمطاردفلسفةالتعلقوالانسحاب
#هانى_الميهى






المزيد
ثِقل البداية بقلم الكاتب هانى الميهى
الخوف من المرة الثانية بقلم الكاتبة دلال أحمد
ما يشبهك في قلبي بقلم الكاتب هانى الميهى