سقط فان غوخ في كأسي بقلم سيّدة مالك
تثورُ الحِنَّاءُ في يدي ، تقفِزُ من يدِ صديقتي مادونا إلى يدي .
أُناديها :《 مادونا 》 فتبتَسِمُ كما يبتسِمُ الأشخاصُ الحالمون في هذه الحياة ، أسمعُ العصفورَ يُقلِّدُ صوتها في الخارج .
على كرسيٍّ مصنوعٍ من البامبو تجلسُ ، تضمُّ ساقيها وتبدأ في الرسم ؛ ترسُمُ أشكالًا على جسدي ، وحين تبدأ ، تخرجُ الحكاياتُ من فمها هارِبةً نحو قلبي ، وتَهِبُ الوَردَ في زياراتِها الكثيرة لي .
تضعُ وردةً على يدي ، وتتركُ الباقي في أصيصِ الزَّرع .
وإذ أُشاهِدُها ، أتخيَّلُها تقول : سانوشكا ، دعينا نرمي يَدكِ للخارج ، نحو الحيوانات حتى نتخلّص من الكدمات .
في مرّةٍ ، أخبرتني أنَّ الكدماتِ التي أُصِبتُ بها ما هي إلا نجومٌ تلتصقُ بالسماء ، التصاق البقع بي . قالت : منحني اللهُ البقع لأنّه يُحبُّني .
حين تفرغُ من الرسم على يديَّ ، تجلسُ لصيقةً بي ، إنما لا تتحدّثُ إحدانا إلى الأخرى .
وبعد دقائق ، نُغرِقُ الخُبزَ في اللبن ونتناوَلهُ ، ثُمّ نُمرِّرُ الكلماتِ والقلوبَ إلى بعضِنا ، سعيدتَين مثل طفلتَين .
يمضي الوقتُ حتى تصير الحِنّاءُ حمراءَ ، وما تذوب إلّا عندما يحتضِنُها الماء .
في يومٍ ما ، قُلتُ لصديقتي : 《 دعينا نرسم كأسًا على يدي ، ونُسقِطُ عليه فان غوخ ، ونرى كيف سَتُطارِدُنا النُّجومُ في المنام . 》
قالت لي مادونا : 《 في البعيد ، يثورُ النّهرُ حينما يسقطُ عليهِ حوتٌ ضائع .
وفي جسدكِ الصغيرِ الناحلِ يسكنُ فان غوخ ، الرجلُ الطيّبُ جدًا ، والذي لهُ لونُ نبيٍّ قديم .
كان يحسَبُ الدمَّ مُلكَهُ ، و يعاملهُ معاملةَ لونٍ خاصٍّ مِن مِحفظةِ ألوانهِ ، لذلك لا يذهبُ إلى السماء ، و يتغدّى معكِ ويُشاركُكِ الحساسيةَ من البرتقال . 》
سألتُ مادونا ، بينما كانت دموعي تشقُّ طريقها نحو جسدي حتّى تُبعثِرَ الحِنَّاءَ :《 هل ينامُ عند الصباح ؟ 》
فقالت : 《 يجرُّ أقدامَهُ ، وحذاؤُه لهُ صوتٌ مرير ، يُخطِئُ بأنْ يرسمَ كلَّ يومٍ دون أن يُمسِّدَ رأسَكِ ، يا سانوشكا ، بيديهِ الرقيقتين . 》
وحينما ينتهي ، تظهرُ بقعٌ حمراءُ على جسدكِ .






المزيد
الكنز : بقلم: سعاد الصادق
خالد ورحلة إلى الفضاء : بقلم: سعاد الصادق
ضوء الأمل: للكاتبة: سعاد الصادق