كتبت منال ربيعي
أنا تي، النور الساطع من إخميم، زهرة الجنوب، التي أشرقت على عرش مصر فغمرته بالحكمة والنعمة.
من نسل النبلاء، ابنة يويا، الكاهن والمستشار، قائد العجلات ومربّي الثيران المقدسة، وتويا، صوت الإلهة، ومغنيتها المختارة، رفيقة آمون ومين.
لم أكن من دم الملوك، لكن الملوك انحنوا لذكائي وسمتي، فاختارني أمنحتب الثالث، سيد الأرضين، زوجةً دون سواي، ملكةً في قلبه قبل قصره.
تزوجني في مطلع حكمه، وما كان زواجنا سياسة بل قدر مكتوب على جدران الأبدية.
كنت رفيقة العرش والروح، وكنت له الظل والمشورة، فارتقى بي حتى أصبحت أم الملك، وجدة الملك، وسيدة نساء الزمان.
أحبني، كما لم يُحب ملكٌ من قبل.
بنى لي قصورًا في غرب النيل، حين كانت الملوك تبني شرقه، ليكون لقاؤنا في موضع الشمس الآفلة، نسرح في جنّات من النور والظلال.
وفي عامه التاسع، أمر أن تُشق بحيرة لي، عظيمة كحلمي، بطول آلاف الأذرع، في خمسة عشر يومًا، حشد لها مئتي ألف رجل…
فهل سمعتم عن حب يصنع بحيرة؟!
وأهداني مركبًا مذهبًا، كنت أركبه معه عند الغروب، يلامس الماء أجسادنا، ويعكس وجهينا كما لو كنا إلهين عاشقين، نحكم الزمان من قلب النيل.
في اسمي نُقشت الرسائل على ألواح العمارنة، لم أكن مجرد ملكة، بل كنت صوت مصر إلى ملوك الأرض، ظللت خلفه في المعابد، ووقفت بجواره في التماثيل، وسافرت معه في الأعمدة والنقوش.
ولما جاء أمنحتب الرابع، ولدي، الملقب بإخناتون، وقفت بجانبه أيضًا، حين بدّل وجه العبادة، وحين دعا للإله الواحد، فكنت قلبه الحامي، وصوته الحكيم.
أنا تي، وجهي محفور في متحف برلين، ورأسي يشهد على جمال لا يُنسى.
حتى حين رحلت، احتفظ حفيدي توت عنخ آمون بخصلات شعري، في تابوت صغير، كأنما أراد أن تبقى روحي تبارك عرشه.
أنا الملكة التي أحبها ملك، وأحبته كما تحب الأرض السماء، وكما تعشق الروح الخلود.
أنا تي، والزمان يشهد أن الحب إن ملك… يصنع المعجزات.






المزيد
حين يتكلم الصمت: بقلم: سعاد الصادق
ضوء هادئ
الكنز : بقلم: سعاد الصادق