مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

نظام الطيبات على الميزان

بقلم: يحيى القطب (كاتب وباحث)

إنَّ الأمانة العلمية تقتضي التفريق التام بين الاجتهاد البشري في علوم الطب والتغذية، وبين مراد الله عز وجل وتأويل آيات كتابه. فالبحث العلمي هو ملكٌ لصاحبه، لكن الخطأ الفادح يكمن في ربط نتائج هذا البحث بكتاب الله لتقوية وجهة نظر شخصية؛ فهذا المسلك يُعد افتراءً وتدليساً، إذ لا يجوز تلفيق تفسير النصوص لخدمة “تريند” غذائي أو نظرية عابرة.

أولاً: أصل الإباحة والتحريم

بأي حقٍ يُحرم البعض ما أحل الله من طيبات الرزق؟ إن التحليل والتحريم حقٌّ إلهيٌّ خالص، لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. لذا، فإن تجريد بعض الأطعمة من وصف “الطيبات” بغير نص هو تعدٍّ على حدود الشريعة قبل أن يكون خطأً علمياً.

ثانياً: مغالطة أكل الطير

من أعجب ما يُطرح هو طلب دليل على إباحة أكل الطير! وكأن القرآن لم يصف نعيم الجنة بقوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾. فذكر الطير في مقام التكريم والاشتهاء هو أكبر دليل على طهارته وفائدته وطيب أصله، وإلا لما كان مكافأة للمتقين.

ثالثاً: الدقة اللغوية ومفهوم “الفوم”

ذهب جمهور المفسرين واللغويين –وعلى رأسهم ابن عباس رضي الله عنه– إلى أن “الفوم” هو “الثوم” وليس الفول، استناداً إلى تقارب المخارج بين الفاء والثاء.

أما الاستدلال بترك النبي ﷺ للثوم والبصل كدليل على كراهيتهما الصحية، فهو في غير موضعه؛ فقد بين ﷺ العلة بقوله: «إني يُغشاني ما لا يغشاكم»، إشارةً إلى “الوحي”. والملائكة تتأذى من الروائح الكريهة، ولم يحرمهما ﷺ على الناس بل وصف الشجرة بـ “النتنة” لرائحتها لا لقيمتها.

رابعاً: سياق المقارنة في “الذي هو أدنى”

قوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ لا يدل على انحطاط قدر الحبوب والبقول، بل هو مقارنة في القيمة أو الندرة. ومن المفارقات أن النوع الذي وصف بأنه “خير” في الآية كان “المن والسلوى”، والسلوى طائر، فكيف يُنهى عن أكل الطيور ثم يُستشهد بآية تصفها بأنها “خير”؟

خامساً: الحبوب.. متاع للناس وللأنعام

ادعاء أن الحبوب هي أكل للبهائم فقط يصطدم بالحقيقة القرآنية: ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا… مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. لقد جعل الله الحبوب متاعاً للإنسان أولاً، فكيف يُسلب هذا الحق بغير وجه حق؟

سادساً: إنكار اللبن والأنظمة العلاجية

كيف يُنهى عن شرب اللبن وهو من سنة النبي ﷺ ومن الحقائق التي أقرها القرآن: ﴿لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ﴾؟ إن الأنظمة الغذائية قد تعالج حالات خاصة، لكن لا يجوز تعميمها كقانون إلهي مطلق.

سابعاً: الصيام بين الصحة والإرهاق

نؤمن أن الصيام وقاية، لقوله ﷺ: «صوموا تصحوا»، لكن هذا لا يعني التجويع المفرط الذي يؤدي للهزال وفقر الدم. ولقد نهى النبي ﷺ عن الوصال قائلاً: «فاكلَفوا مِنَ العَمَلِ ما تُطيقونَ». فالصيام عبادة تزكّي ولا تُهلك.

ثامناً: الشفاء لا يعني الحصر

العسل والحبة السوداء فيهما شفاء، لكن هذا لا يعني الانقطاع عما سواهما. الدين جاء بالوسطية، والمنهج الذي يقوم على ترهيب الناس من طعامهم بدعوى “الدين” يحتاج إلى تصويب.

خاتمة:

إن أخطر ما في هذه المناهج هو ما تزرعه من قابليةٍ للتسليم الأعمى؛ ومن اعتاد أن يُسلّم عقله لكل مدّعٍ، فلن يعجزه أن يُسلّمه لأكبر مدّعٍ في التاريخ.