مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

رقصة الفراشات في قلب العاصفة

Img 20241004 Wa0054

 

كتبته:الإعلامية سبأ الجاسم الحوري.

 

في عالمٍ ملطّخ بالألوان الرمادية، حيث تتصارع الرياح وتعلو الأمواج، تنبت الفراشات في عاصفة لا تعرف الرحمة. ليست فراشات عادية، بل كائنات ضوئية، تحمل في أجنحتها سر العدم، سرّ المضي رغم الغرق في المحيطات الغامضة. رقصتها تتحدى المنطق، كأنها تسخر من الزمن الذي يحاول ابتلاعها، ومن القدر الذي رسم نهايتها دون أن يستأذن قلبها.

 

في هذا الكون المتمرد، تُعلن الفراشات تحديها للمستحيل. ترفرف بلا هوادة وسط ريح تجرد الأحياء من هدوئهم، وكأنها تعلن ولادة جديدة، ليس من رماد الفينيق، بل من قلب الإعصار. لا أحد يفهم سرّ هذه الرقصة المجنونة، رقصة الحياة التي تُصارع الموت بلا خوف أو ندم. تُحلّق بين كفّي العدم، تتلاعب بالقدر كما يتلاعب الأطفال بالطين في مواسم المطر.

 

كيف لفراغٍ أن يلتهم الجمال؟ كيف لريشة أن تصارع موجة عاتية وتظل عالقة في ذروة السماء؟ أسئلة تمزق صمت الكون، دون إجابة، سوى أن الفراشة رقصت لأنها آمنت بأن الرقص هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الكون. وأن من لم يجرب الغرق، لن يعرف قيمة التحليق.

 

لا تُقصَف الأجنحة إلا من تلك الريح التي تعجز عن إدراك الغاية من وجودها. هكذا يظل الحالمون كالفراشات، يشقون طريقهم في بحرٍ من الضياع، يحترقون كشموع لا تعرف سوى الضوء طريقًا للنجاة.

لكن في هذه الرقصة، لا تُحرق الفراشات لتهلك، بل لتخلق من جديد. فكل شرارة تنبثق من أجنحتها المتوهجة تنثر نورًا على عتمةٍ مستبدة، وكأنها تقول للعالم: “أنا لا أختفي، بل أستمر في التحليق حتى وإن ابتلعني الظلام”. إنها رحلة ترفض الخنوع، رحلة تفك قيود المستحيل وتحرر الأفكار من سجنها.

 

والعجيب في أمرها، أن تلك الفراشات لا تسعى للبقاء ولا تهرب من الفناء. بل تحتضن كل لحظة بتفاصيلها، كأنها تعيش زمنًا خارج الزمن. في تلك الرقصة المجنونة، تُذيب الحواجز بين الحياة والموت، بين البداية والنهاية. تنصهر المعاني أمام جموحها، فتتحول كل نسمة ريح إلى لحن جديد، وكل موجة إلى خطوة نحو اللا نهائي.

 

وفي عمق العاصفة، حيث يعتقد الجميع أن النهاية قد حانت، ترسم الفراشات طريقها إلى الخلود. إنها ليست بحاجة إلى عيونٍ تشهد، أو جمهورٍ يصفق. يكفيها أن تنثر أجنحتها على سطح الريح، وتترك أثرها الخفيّ، الذي لا يراه إلا من يعرف كيف يستمع إلى صمت الكون. أثرٌ ليس في الصورة، بل في الروح. أثرٌ يُخلّد في الذاكرة كقصيدة منسية لا يعرفها إلا قلب واحد في هذا الكون الواسع.

 

هكذا تظل الفراشات، رمزًا للعناد الجميل، وللحلم الذي يرفض أن يموت حتى في أكثر اللحظات قسوة.