رسالة إلى حاتم
بقلم: بلال حسان الحمداني
أما عن الأندلسِ يا حاتم، ففي كلِّ ذكرى لسقوطِها لا نبكي سوى بمرثيةِ أبي البقاءِ الرندي. وأحلامُنا الكبيرةُ لم تعدْ كبيرةً، وفصولُنا صارتْ كلُّها خريفًا. وتغريبتُنا لن تعدْ فلسطينيةً فحسبُ، بل تغريبةٌ سوريةٌ وعراقيةٌ ويمنيةٌ وسودانيةٌ. ولم نعدْ عصيَّ الدمعِ، ولا شيمتُنا الصبرُ.رحمكَ اللهُ يا من متَّ في غربتِكَ وأنتَ تتوقُ لئنْ تشتمَّ عبقَ الياسمينِ، حالَ الظلمُ بينكَ وبينَ بلادِكَ التي دخلتْ كلَّ بيتٍ من بيوتِها. وما أشبهَكَ بنزارٍ الذي هو ماتَ منفيًّا من ظلمِ الأبِ المقبورِ، ولم يزرْ دمشقَ التي صوَّرَها جمالًا ورقةً في شعرِهِ، وجعلَنا نشتمُّ عبقَ ياسمينِها كلماتٍ، إلا جنازةً صوَّرتَها أنتَ في إحدى حلقاتِ فصولِكَ الأربعةِ، إذ خرجتْ لهُ جنازةٌ ما سبقَ أن خرجتْ لأحدٍ قبلَهُ. وفي هذا المشهدِ حينَ وقفَ خالد تاجا، أنطوانيتُ العربِ الذي ماتَ أيضًا في أولِ سنيِّ الحربِ مُحاربًا الظلمَ، وكانَ يقولُ بدمعِهِ: “بلدٌ يخرجُ كلُّهُ في جنازةِ شاعرٍ ما زالَ بهِ خيرٌ!” وكأنَّكَ صوَّرتَ جنازتَكَ، إذ سارَ خلفَكَ الناسُ بدمعِهِم بجنازةٍ تُناظرُ جنازةَ قبَّاني، وكأنَّكَ كنتَ تُصوِّرُ موتَكَ قبلَ اثنينِ وعشرينَ عامًا.ربما لا أُشجِّعُ الفنَّ، ولكن أُؤمنُ بهِ إذا كانَ رسالةً تحملُ في طيَّاتِها تاريخًا أضعناهُ بيدِنا، ورسالةً أيضًا دينيةً كانتْ أو اجتماعيةً. وفي جلِّ أعمالِ حاتمَ لم يُصوِّرْ لنا مشاهدَ تخدشُ الحياءَ، ولا اضطهادَ المرأةِ وجعلَها سلعةً، ولا قصصَ الخيانةِ في الحبِّ، ولا التناحرَ الأُسريَّ والانحطاطَ الاجتماعيَّ والخُلُقيَّ، إنَّما كانتْ رسالاتٍ بهدفِ حبٍّ نقيٍّ عفيفٍ، وبيئةٍ أُسريةٍ واجتماعيةٍ ناضجةٍ يسودُها الحبُّ والاحترامُ والخُلُقُ. وليتَهُ الآنَ كانَ حيًّا بيننا، إذ يرى الآنَ الانحطاطَ الأخلاقيَّ والسفالةَ والعِهارةَ والدعارةَ دونَ حياءٍ بأعمالٍ يَندَهُ لها الجبينُ ويحزنُ لها القلبُ من كَمَدِ مسلسلاتٍ فاضحةٍ. ولسانُ حالِنا يبكي ما آلَ إليهِ حالُ الدراما السوريةِ بعدَ أن كانتْ لم تقتصرْ فقط على بلادِنا، بل سافرتْ إلى كلِّ بلدٍ عربيٍّ نشرتْ بهِ ثقافةَ أهلِ الشامِ ولهجتَهُم وعلمَهُم. وشتانَ بينَ وبينَ!






المزيد
وجهك الآخر على الشاشة: كيف غيّرت وسائل التواصل مفهوم الذات؟
علامات خفية تقول إنك تحت ضغط نفسي
الأزمة بين المربع السكني وجودة التعليم