رحيلُ العرّاب… دَمْعٌ على زمنٍ وَلَّى، وعَتبٌ على فنٍ تردَّى
بقلم: بلال حسان الحمداني
التاسع والعشرون من ديسمبر
أبى شهرُ ديسمبرَ من عامِ ألفينِ وعشرينَ إلا أن يُودِّعَنا ويُودِّعَ سنةً بفاجعةِ رحيلِ عرَّابِ الدراما السوريةِ، الفنانِ والمخرجِ حاتم علي. رحلَ من صوَّرَ لنا التاريخَ على شاشاتِ التلفازِ في زمنٍ كانتْ فيهِ البساطةُ تعيشُ في بيوتِنا، ولم تُفسدْ هذهِ التكنولوجيا حياتَنا، ولم تدخُلْ بعدُ مَنْ دخلَ كلَّ بيتٍ. وكانتْ أعمالُهُ خيرَ ما نتسلَّى بهِ في ليالينا وتَسامُرِنا، حيثُ تجتمعُ العائلةُ جَمعةً يحيطُ بها الدفءُ والأُنسُ؛ واحدٌ مُضطجعٌ، وواحدٌ جالسٌ، وربما وقفَ أحدُنا عندَ شاشةِ التلفازِ. وشتانَ بينَ ذاكَ الزمانِ وهذا، إذ صارَ كلٌّ منَّا جليسَ هاتفِهِ، ناصبًا قدميهِ، وربما لا يأبهُ إنْ دخلَ والدُهُ، وبقيَ على تلكَ الوضعيةِ التي تُخلُّ بالاحترامِ، وربما كلمَهُ والدُهُ أو والدتُهُ وعيناهُ على هذا الجوَّالِ الذي يسرقُ عقلَهُ وتفكيرَهُ، ويُخلُّ باحترامِهِ بأنْ يقفَ إجلالًا لأبيهِ أو لأمِّهِ، مُصغيًا لهُمَا بسمعِهِ كلِّهِ وبجلِّ حواسِّهِ.
من صوَّرَ لنا عدلَ عُمرَ وشِدَّتَهُ وبأسَهُ وخشيَتَهُ من اللهِ بلغةٍ جَزلةٍ لا تَخدشُ الأسماعَ. ومن صوَّرَ لنا تاريخَ الأندلسِ الجميلَ المُشرقَ بثلاثيتِهِ الرائعةِ التي تشرَّبنا منها عَبقَ البلاغةِ وسحرَ البيانِ.من صوَّرَ لنا صلاحَ الدينِ الذي كانَ صنيعةَ أبٍ وأمٍّ ربَّياهُ منذُ صِغَرِهِ على أن يُحرِّرَ الأقصى، فحينما رآهُ أبوهُ يلعبُ مع الصبيةِ فأسقطَهُ على الأرضِ وقالَ: “ما لهذا أعددناكَ يا صلاحُ!” وحقًّا كانَ الفاتحَ لها بعدَ تسعِ عقودٍ من احتلالِها. من صوَّرَ لنا بأسَ العربيِّ وطغيانَهُ وجبروتَهُ وإشعالَهُ حربًا ضروسًا لأجلِ أخيهِ، مُتوعدًا بفناءِ بكرٍ وأن لا يتركَ منهم صافرَ نارٍ انتقامًا لمقتلِ أخيهِ؛ أيُّ مسلسلِ الزير سالم! هذا الجولانيُّ الذي عاشَ غُربةَ الأرضِ، إذ هُجِّرَ منها بعدَ أن باعَها المقبورُ، وكانَ هذا الألمُ الذي حوَّلَهُ إبداعًا بتغريبتِهِ الفلسطينيةِ التي صوَّرَها حقيقةً لا مشاهدَ أبكتْ كلَّ من شاهدَها وكأنَّها رُؤى العينِ، الذي نَقِمَ على الصمتِ على الظلمِ، وتغنَّينا بكلماتِهِ منذُ الطفولةِ: بشارة صوَّرتْ تلكَ التغريبةَ التي طالتْ منذُ سبعِ قرونٍ.
لا تَسَلْ عن سلامــتهِ روحُهُ فوقَ راحَتِهِ
بدَّلَتْهُ همومُهُ كَفَنًا من وســـــادَتِهِ
هُوَبالبابِ واقفٌ والرَّدَى منهُ خائفُ
فَأَهْدِ يا عواصفُ خَجَلاً من جرائَتِهِ
صامتٌ لو تكلَّما لفظَ النارَ والدَّما قُلْ لمن عابَ صمتَهُ خُلِقَ الحزمُ أبكما
لا تلوموهُ قد رأى منهجَ الحقِّ مُظلِما
وبلادًا أحبَّــــها ذُخرُها قد تهدَّما






المزيد
وجهك الآخر على الشاشة: كيف غيّرت وسائل التواصل مفهوم الذات؟
علامات خفية تقول إنك تحت ضغط نفسي
الأزمة بين المربع السكني وجودة التعليم