كتبت: آية الهضيبي
سُبحان الذي خلقنا ورحمنا وأرسل إلينا مِنَّا الذي اصطفاه ورفعهُ إلى أعلى مكانة، سُبحان الذي جعل مُعجزته القُرآن فما كان بِساحرٍ ولا شاعر، وكان كريمَ الخُلقِ لِربه ذاكر ويأتيه الوحي فَيؤنسهُ ويُعطيه الرسالة والمواعظ.
الآن عندما تشعُر أنك في حالة مزاج سيء أو حالة ضغط نفسي شديد، أو يُصيبك بلاء ويهبك الله صاحب يُهوِّن عليك ويقترح أنْ تذهبا في رحلة لِتجعل حالتك النفسية أفضل فَتُصبح مُمتن لهُ، فما بالك إذا كان اللّٰه عز وچل الذي يشعُر بنا ويرانا ويسمعُنا ويجعل عبدًا له اصطفاه وطهَّرهُ واصطفاه وأخذهُ إلى رحلة عجيبة ورائعة إلى السماوات العُليا، والذي لن يستوعبها عقل فلا بُدَّ أنها لم تكُن رحلة عادية.
حلَّ على النبي صلى الله عليه وسلم عام الحُزن وهو وفاة خديجة (رضي الله عنها) ووفاة عم الرسول أبي طالب، أصاب الرسول (عليه الصلاة والسلام) الحزن الشديد شأنه شأن البشر، وذلك لرحيلهما، فكان الفرج من الله تعالى بأن يُكرمه بمكانةٍ لم يبلغها أحد قبله، بأن يسرّي عنه في حزنه في رحلة المُعجزة.
الكثير يسمع عن هذه الليلة فما هي؟
الإسراء والمعراج هي حادثة جرت ليلاً سنة 621م ما بين السنة الحادية عشرة إلى السنة الثانية عشرة من البعثة النبوية..
الله أسرى نبيه محمد على البراق مع جبريل ليلاً من المسجد الحرام بمكة، إلى بيت المقدس. وهي رحلة استهجنت قبيلة قريش حدوثها لدرجة أن بعضهم صار يصفق ويصفر مستهزئاً، ولكن النبي محمد أصر على تأكيدها وأنه انتقل بعد ذلك من القدس في رحلة سماوية بصحبة جبريل على دابة تسمى البراق أو حسب التعبير الإسلامي عرج به إلى الملأ الأعلى عند سدرة المنتهى أي إلى أقصى مكان يمكن الوصول إليهِ في السماء وعاد بعد ذلك في نفس الليلة، وسُميت سورة الإسراء على اسم الحدث، والتي افتُتحت بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ١﴾ [الإسراء.
أي: تنزه الله في قولـه عن كل قول، وتنزه الله في فعله عن كل فعل، وتنزه الله في صفاته عن كل صفات. «الذي أسرى»، أي: الذي أكرم رسوله بالمسير والانتقال ليلا.[3] «بعبده» أي: بمخلوقه الإنسان الذي اختاره لهذه المهمة العظمى، وهي مهمة هداية البشر جميعا. ولم يقل الله سبحانه: «بخليله» أو «بحبيبه» أو «بنبيه»، وإنما قال: «بعبده»، وفي هذا ملحظ هام هو أن الرسول ﷺ حقق مقام العبودية الخالصة لله سبحانه، فكان حقا «العبد الكامل» أو «الإنسان الكامل»؛ ولأن المطلب الأول للإسلام هو تحقيق العبودية الخالصة لله سبحانه. «ليلا» وفي هذا دلالة على أن الإسراء كان في جزء من الليل ولم يستغـرق الليل كله، وكان الليل هو وقت الرحلتين؛ لأنه أحب أوقات الخلوة، وكان وقت الصلاة المفضل لدى رسول الله ﷺ، بل كان هو وقت الصلاة قبل أن تفرض الصلاة بالهيئة والأوقات المعروفة عليها، وكان الإسراء ليلا ليكون أيضا أبلغ للمؤمن في الإيمان بالغيب.
وأما قوله تعالى: «من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى» فتفسيره: أن انتقال الرسول في رحلته الأرضية كان بين مسجدين، أولهما: المسجد الحرام بمكة في أرض الجزيرة العربية، وهو أحب بيوت الله في الأرض، والصلاة فيه تعدل مائة ألف صلاة في غيره من المساجد، وثانيهما: هو المسجد الأقصى بأرض فلسطين، مهد الأنبياء والرسل، وقد كان القبلة الأولى للمسلمين قبل أن يأتيهم الأمر بالتحول شطر المسجد الحرام الذي هو قبلتهم منذ ذلك الوقت إلى آخر الزمـان… والمسجد الأقصى من أفضل مساجد الأرض جميعا، والصلاة فيه تعدل خمسمـائة صلاة في غيره من المساجد. «الذي باركنا حوله» أي: الذي أفضنا عليه وعلى ما حوله بالبركات، دنيوية ومعنوية. «لنريه من آياتنا» أي: بعض الآيات الدالة على قدرة الله وعظمته، وليس كل الآيات.
رُبما يتخيل الكثير منا بعقله الضيِّق بعض الشيء أو هو الواقع والطبيعي أنَّ وسيلة المواصلات العادية تتخذ الكثير من الوقت وخاصةً إذا كان كل هذه المسافة!
ولكنه قد حدث بالفعل وسافر بِسُرعة الخيال، يقول تعالى في سورة النجم: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ١٣ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ١٤ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ١٥ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ١٦ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ١٧ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ١٨﴾ [النجم:13–18]
ويقول العُلماء أنَّ الإسراء والمعراج لم يحدثا في ليلة واحدة؛ فلم تنزل سورة الإسراء وسورة النجم في نفس الوقت، وعندما ذهب الرسول وحكى ما رأى على أهل قُريش استهزأوا به ولم يُصدقوه وحتى إن ضعاف الإيمان من الذين أسلموا ارتدوا بعد سماعهم من النبي ولم يُصدقوه أيضًا، قال ابن القيم: أسرى برسول الله ﷺ بجسده على الصحيح من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، راكبًا على البُرَاق، صحبة جبريل عليهما الصلاة والسلام، فنزل هناك، وصلى بالأنبياء إمامًا، وربط البراق بحلقة باب المسجد.
المعراج وهو الصعود (أو آلة الصعود) من سطح الأرض إلى طبقات الجو العليا، إلى حيث الاختراق والنفاذ من أقطار الأرض وغيرها من الكواكب والنجوم، إلى حيث لا يعلم انقسم رأي العلماء والسلف إلى ثلاث، فمنهم من يقول أن الإسراء والمعراج كان بالروح، ومنهم من يقول كان بالجسد، ومنهم من يقول كان بالروح والجسد، وهذا ما ذهب عليه معظم السلف والمسلمين في اليقظة.
ولم يذْكَر مِعْراج الرسول صراحةً في آيات القرآن بل يُفْهَم منها: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ١ ..
وأما قوله تعالى: «من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى» فتفسيره: أن انتقال الرسول في رحلته الأرضية كان بين مسجدين، أولهما: المسجد الحرام بمكة في أرض الجزيرة العربية، وهو أحب بيوت الله في الأرض، والصلاة فيه تعدل مائة ألف صلاة في غيره من المساجد، وثانيهما: هو المسجد الأقصى بأرض فلسطين، مهد الأنبياء والرسل، وقد كان القبلة الأولى للمسلمين قبل أن يأتيهم الأمر بالتحول شطر المسجد الحرام الذي هو قبلتهم منذ ذلك الوقت إلى آخر الزمـان… والمسجد الأقصى من أفضل مساجد الأرض جميعا، والصلاة فيه تعدل خمسمـائة صلاة في غيره من المساجد. «الذي باركنا حوله» أي: الذي أفضنا عليه وعلى ما حوله بالبركات، دنيوية ومعنوية. «لنريه من آياتنا» أي: بعض الآيات الدالة على قدرة الله وعظمته، وليس كل الآيات.
والحق أنها لم تكُن رحلة للترفيه أو التهوين على النبي صلى الله عليه وسلم فقط؛ بل حدث فيها الكثير ورأى فيها الرسول مشاهد عظيمة..
عن أنس رضى الله عنه قال: لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء قال ( أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوفًا فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال : هذا الكوثر )
رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في رحلة المعراج المَلَكْ جبريل -عليه السلام- في صورته التي خلقه الله عليها، وهي خلقة عظيمة، وآية من آيات الله، فهو مخلوق عظيم له ستمائة جناح، كل جناح منها حجمه مدّ البصر، وقد رآه النبي مرتين على صورته الحقيقة، حيث رآه في الأفق الأعلى، وعند سدرة المنتهى، والمقصود هنا أن الذي رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- هو جبريل عليه السلام، لكن ظَنَّ البعض أنه رأى ربه في رحلة المعراج، والصواب أنه لم يره، ودليل ذلك قول عائشة -رضي الله عنها- عندما سُئلَّت عن ذلك قالت: إنه لم ير ربه، وقرأت قول الله تعالى: (لا تُدرِكُهُ الأَبصارُ وَهُوَ يُدرِكُ الأَبصارَ)، يعني: لا نرى الله في الدنيا، أما في الآخرة فسوف يراه النبي -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنون يوم الحساب، وفي الجنة، بإجماع أهل السنة والجماعة، بحيث يرونه رؤية ثابتة واضحة بيقين لا شبهة فيه، ووضوحها ويقينها كرؤية الشمس والقمر، وهذه الرؤية خاصة بأهل الإيمان، أما الكُفار فهم محجوبون عن رؤية الله -تعالى- بنص القرآن الكريم.
ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أثناء صعوده إلى السماء برفقة جبريل -عليه السلام- رأى في كل سماء نبيًّا أو أكثر من الأنبياء، وسلَّمَّ عليهم، على النحو الآتي:
السماء الأولى: آدم عليه السلام.
السماء الثانية: عيسى ويحيى عليهما السلام.
السماء الثالثة: يوسف عليه السلام.
السماء الرابعة: إدريس عليه السلام.
السماء الخامسة: هارون عليه السلام.
السماء السادسة: موسى عليه السلام.
السماء السابعة: إبراهيم عليه السلام، ومما ثبت واتفق عليه العلماء أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلّى في رحلة الإسراء والمعراج بالأنبياء إمامًا، ولكنهم اختلفوا متى تم ذلك، فمنهم من قال أنه أمَّهم عند مَقْدِمه إلى المسجد الأقصى، ومنهم من قال أنه أمَّهم وهو يعرج إلى السماء، واختار ابن كثير أنه قد أمَّهم بعد أن نزل من العروج إلى بيت المقدس.
جاء في الأحاديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى في رحلة الإسراء والمعراج المَلَك خازن النار؛ وهو مالك عليه السلام، حتى إن مالك هو الذي بدأ النبي -صلى الله عليه وسلم- بالسلام.
البيت المعمور: وهو بيت يصلّي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودوا إليه أبدًا، وقد ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أثناء صعوده إلى السماء برفقة جبريل -عليه السلام- رأى البيت المعمور، حيث قال: (فَرُفِعَ لي البَيْتُ المَعْمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ، فَقالَ: هذا البَيْتُ المَعْمُورُ).
اطلع النبي -صلى الله عليه وسلم- في رحلة المعراج على بعض أحوال الذين يعذّبون في نار جهنم، ورأى أصناف متعددة منهم:
الصنف الأول: الذين يخوضون في أعراض المسلمين، ويقعون في الغيبة، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لما عُرِجَ بي مررتُ بقومٍ لهم أظفارٌ من نُحاسٍ يخْمِشون وجوهَهم وصدورَهم، فقلتُ: من هؤلاء يا جبريلُ؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحومِ الناسِ).
الصنف الثاني: الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (مرَرْتُ ليلةَ أُسرِيَ بي على قومٍ تُقرَضُ شِفاهُهم بمَقاريضَ مِن نارٍ، قال: قلتُ: مَن هؤلاءِ؟ قالوا: خُطَباءُ أمَّتِكَ).
الصنف الثالث: الذين يأكلون الربا، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (رَأَيتُ لَيلةَ أُسريَ بي رَجُلًا يَسبَحُ في نَهرٍ ويُلقَمُ الحِجارةَ، فسَأَلتُ: ما هذا؟ فقِيلَ لي: آكِلُ الرِّبا).
وحتى الآن من كل عام مازلنا نذكُر تِلكَ الليلة ولاسيما أنَّ فضلها عظيم؛ يأتي فضل ليلة الإسراء والمعراج الموافق ليوم 27 رجب عظيم، احتفالا بنصر الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وسلم، حيث أيده، ولكن ما هي أحب الأعمال في هذه الليلة؟
تعتبر تغيير كامل في طريق الدعوة إلى الله عز وجل.
2) أكدت صدق نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم.
3) تكريم للنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن الله اختصه واطلاعه على الغيب.
4) تأكيد على مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى.
5) إثبات أنه خاتم المرسلين بصلاته إمامًا للأنبياء.
6) تعويض الرسول صلى الله عليه وسلم عن صبره على إيذاء الكفار له، وفراقه لأحبته.
7) تعتبر كشف لصبر المؤمنين ومدى صدقهم وتصديقهم للرسول صلى الله عليه وسلم.
8) أثبتت عبادة جميع الأنبياء لله عز وجل وأن دينهم واحد.
9) أوضحت أهمية المسجد الأقصى ومكانته، وضرورة الحفاظ عليه واستعادته.
ويتسائل الكثير من الأشخاص عما إذا كانت هناك عبادات خاصة بـ ليلة الإسراء والمعراج، ويمكننا الإجابة بأنه لا يوجد عبادة مخصصة لإحياء ليلة الإسراء والمعراج، حيث لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه احتفل بليلة الإسراء والمعراج بأي صورة، لذا فهي تعتبر بدعة لا أساس لها في السنة النبوية، ولم يحتفل بها الصحابة من بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
من ناحية أخرى أكد بعض علماء المسلمين على قدسية ليلة السابع والعشرين من رجب، فقد ورد عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
“لَمَّا كَذَّبَتْنِى قُرَيْشٌ قُمْتُ فى الْحِجْرِ فَجَلاَ اللهُ لى بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ”، وبالتالي يجب على المسلمين ذكر الله تعالى وقراءة القرآن الكريم وإحياء سنن الرسول صلى الله عليه وسلم، وصلاة قيام ليل، كذلك يُستحب التحدث عن فضل ليلة الإسراء والمعراج ونشرها بين المسلمين.






المزيد
إرث الوعي الصامت: ماذا نترك في حقائب صغارنا النفسية؟
كيفية التعامل مع “ألم الروح” والإسعاف النفسي الأولي
العُمر يُقاس بالسنين.. أما العقل فيُقاس بالوعي