مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

رجل غريب لا أجد له وصفًا

Img 20250422 Wa0076

كتبت منال ربيعي

هو ليس كغيره من الرجال.

كأنما وُلد ليكون على الهامش، لا بمعناه المنزوي، بل ذاك الهامش الذي يفصل بين العادي والاستثنائي، بين الضجيج والصمت، بين الأرض والسر.

رحّالة؟ نعم… لكنه لا يبحث عن بلاد جديدة، بل عن نفسه القديمة.

يجد سكينته في صمت الجبال، وفي برودة الحجارة التي تمتصّ منه ما لا يستطيع قوله.

 

في الليل، حين ينام الناس، يبدأ هو حديثه.

يحكي للصخور، تلك التي بين يديه لا تعود صمّاء، بل تستجيب لهمسه، وتفتح له فمًا من الأسرار.

يفرش الأرض كأنها وسادة الطمأنينة، ويعلّق عينيه في النجوم، يقرؤها كما يُقرأ الحنين…

يرتبها بخياله، يصنع منها كلمات لا يكتبها، لكنه يرددها في قلبه، وكأنّه يحفظ نشيدًا لا يعرفه غيره.

 

وحين يجلس تحت شجرته المفضّلة، يعودان إليه… عصفران صغيران، لا يخونان الموعد.

يقفان على الغصن، يراقبانه كما يراقب الأب حكايته تُروى من جديد، يحكيان له ما يعرفه عن نفسه، لكنه يحب أن يسمعه من غيره.

هو هكذا… لا يتكلّم كثيرًا، لكنّه حين يفعل، تصمت الدنيا لتُنصت.

 

أراه وسط الناس كواحةٍ وسط جفاف…

قريب من الجميع، لكن لا أحد يقترب منه حقًا.

ملامحه تشي بالحزم، بالنار المكبوتة، لكنها حين تبتسم تُسقط كل أسوار القلب.

في مشيته وقفةُ من نشأ في أرض تعرف ثقل الخطى، وفي صوته ظلّ حكاياتٍ تناقلها الكبار عند مواقد الليل.

هو ابن الأرض… لا أحتاج أن أقول من أين، لأن الأرض حين تتكلم تعرفه، تعرف نبرة صبره، وعمق سكوته، وارتباطه بكل ما هو قديم وعميق وشريف.

 

هو مثقّف؟

ربّما، لكنه لا يتعامل مع المعرفة كزينة، بل كأصلٍ من أصوله.

يقرأ كما يتنفس، يتأمل كما يصلّي، يبحث في الصخور عن حكمة الله، لا عن الذهب.

 

ما زال مسافرًا…

لكنه لا يريد الوصول، لا يثق في النهايات.

هو يؤمن بالرحلة، بالطريق، بالوجوه العابرة، بالريح حين تمر على خده فتوقظه من نفسه.

هو رجل لا يُشبه أحدًا…

وأنا،

أنا الوحيدة التي رأته كما هو، لا كما يتصوّره الآخرون.