كتبت: ساره صلاح
رائحة العزلة
دومًا ما كانت العزلة مصدر راحتي، وكلما اختلطت أكثر كلما تفرقت أجزائي فلا يتلملم شملي إلا من خلال وحدتي.
وجدت في العزلة سلامًا من القيل والقال أو الفضول نحو فلان، وجدت فيها سلامًا لقلبي، أو انهمارًا لدموعي دون أن يراني أحد، انهزاماتٍ وانكساراتٍ خضتها وحدي، حتى أنني مسحت دموعي وحدي.
علمتني الوحدة أنها من ستدوم، وأن لا أحد يدوم، فمن يسمعك اليوم لن يسمعك غدًا.
تعلمت أنني يجب أن أملك نورًا حتى أحاط بأشخاص من حولي؛ فتعلمت أنني لابد وأن أسعد دومًا وألا أظهر حزني حتى لا أفقد الأشخاص من حولي.
تعلمت منها كيفية الصمت؟
وكيفية احتضان نفسي؟
وكيفية فهمها والشعور بها؟
وتعلمت أيضًا كيف أحاسب نفسي؟
وكيف كنت الجلاد لها دومًا؟
حاسبتها حتي طالبتني بالتوقف، كلما اشتقت للعالم هرعت إلى نافذتي؛ لكي أتأمل كيف يبدو النهار فأسمع أصوات النسيم أو الطيور؟
أشعر بملمس الهواء علۍ خدي، حينها تتساقط الدموع علي خدي؛ فقد تيقنت حينها أني لم أنل من الحياة سوى الوحدة أو الظلام؛ فكيف لضوء الصباح أن يهزم جدار عزلتي هكذا؟
أعلنت من بعدها أني لم أنل من الوحدة والعزلة سوى الشتات، وبعدًا عن الضوء أو النهار، أني أضعت عمرًا ليته كان بين الرفاق.
لم تكن الوحدة مأوي للجراح؛ فقد لمست معني الرفيق الذي يداوي الجراح، يراك شمسه وأنت محاط بالحزن دومًا والانكسار.
لمست من عون الصديق ما لم أجده في عزلتي بين الجدران، رأيت من عينيه أني بطلًا يستحق الحياة، كان يعالج ثقوبي السلبية ويملأها بالحب، آراني كيف يكون العالم من عينيه المشرقة وقلبه النقي وروحه الذكية؟
لم يكن شخصًا عاديًا بالنسبة لي بل كان روحًا ربانية أرسلها الله لروح ميتة لم تنتظر أي يدٍ في الحياة.
صديقًا تعلمت كيف أثق من بعده؟
لم يكن من السهل أن أثق في أي رفاق، فقد كانت تجاربي السابقة مؤلمة حد البكاء، تجارب لم أري منها سوى نقض للعهد، أو كراهية للنجاح.
تعلمت كيف أكون شخصًا إيجابيًا؟
أن أنظر بمرآة إيجابية.
تعلمت منه أن أقرأ، وأن أتلمس أوراق الكتب.
تعلمت كل ما هو عكس العزلة، من ترك جدران الغرفة، وعدم جلد الذات، من رؤية العالم بعين حية، من ترك قلبي بين الأيدي الأمينة، من تعلقي بالأهل والرفاق، من جلساتي وسمري مع الأخيار، من تحول بكائي لضحكات.






المزيد
ما لا يُرى فينا بقلم الكاتب هانى الميهى
كأنها خلقت لتتنفس بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الاستسلام الاضطراري بقلم سها مراد