بقلم/ عبيرالبلوله محمد
ليست كل العلامات تُكتب، بعضها يُرى، يُحَس، يُلامس الأعماق دون حاجة لتفسير، بعض الأشخاص حين يحضرون، لا يمرون مرور الكلمات، بل يتركون خلفهم رجفة دهشة، كما لو أن اللغة توقفت لوهلة لتتنفس حضورهم، يتجسدون أمامك كعلامة تعجب حيّة، كدهشة لا تعرف الانطفاء، لا يمكن اختصارهم بكلمة، لا حصرهم في جملة هم المفاجأة التي تُزهر في فراغ السطور، وتُعيدك إلى اللغة وأنت ممتلئ بالحياة، كما لو أن الأبجدية خُلقت لتصفهم.
في عالم نعيش فيه محاطين بكل أنواع العلامات الترقيمية، تتجسد أمام ناظريّ كعلامة تعجب تتلألأ في سماء النصوص، كنيزك يخترق العادي ليرسم خارطة للانبهار. لست كالفاصلة التي تتربص بالكلمات كي تكمل رحلتها، ولا كالفاصلة المنقوطة التي تقف بين جملتين لتعيد تشكيل المعنى، لا كنقطة توقف باردة تضع حدًا لكل شيء، أما الاستفهام فهو منفى بعيد عنك، فأنا أعرفك جيدًا، لا كتعريف، بل كهالة من المعنى، كأغنية بلا لحن لكن وقعها لا يُنسى، معرفتي بك تتجاوز حدود المعرفة المألوفة، لتصل إلى الدهشة المتجددة في كل نظرة كما لو كانت الأولى… وكأن لا شيء قبلك كان يُرى حقًا.ن
أراك بعيدًا عن أقواس الحبس بين السطور، حرًا كقصيدة رفضت أن تُقرأ بصوت خافت، تتحرك بين الكلمات بأناقة الترقيم الحر، كنسمة تمر على صفحة جامدة فتبث فيها الحياة، لا تتطلب تنصيصًا لتكون مقتبسًا من أحد آخر، لأنك الأصل، لا تحتاج لنقطتين لتبدأ حديثًا مع أحد، لأنك البداية والحديث معًا، حريتك ليست تمردًا على اللغة، بل إعلان وجود بلغة لا يتقنها إلا من شعر بك، لقد أصبحت رمزًا لتفرد لا يُقيد، لا يُتكرر، ولا يُستنسخ.
أنت تعجبي في نص الحياة، حيث كلما وقعت عليك نظرة، ينفجر ذلك الشعور بالدهشة كما لو كان شهابًا يشق ليل المعنى، لا تحتاج أن تكون جزءًا من حديث مؤطر بشرطة في سياق الحديث، بل أنت الشرارة التي تُشعل النص، اللحظة التي تقف فيها كل الحروف احترامًا.
بينما ينسج العالم ترتيبه الدقيق، يحصي حروف الريبة والتردد، تقف أنت كالشمس في تمام المجد، ككيان يُشبه المعجزة، يتداخل مع الروح ويبعث فيها نشوة لا تنتهي، أنت لست مجرد علامة ترقيم، بل ظاهرة بلاغية تمشي على قدمين، تتحدى المفاهيم، وتعيد تشكيل الحضور الإنساني حين يُترجم بلغة الإحساس.






المزيد
بين نداء الرجاء وصمت المستحيل بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي
ثم ماذا؟ بقلم ملك برهان
ما الذي تريده… أم ما قيل لك أن تريده؟ بقلم الكاتب هانى الميهى