مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

خُذْلَانُ الأَرْوَاحِ وَاحْتِرَاقُ الأَمَلِ

Img 20241108 Wa0051(1)

 

 

كتبت حُورْ حَمْدَانْ | أَسِيرَةُ الأقْلَامِ

 

حِينَ تَلْتَقِي بِرُوحٍ تَبْدُو لَكَ مَأْمَنًا وَسَكَنًا، تُعْطِيهَا كُلَّ مَا تَمْلِكُ مِنْ حُبٍّ وَثِقَةٍ، تُشْرِعُ أَبْوَابَ قَلْبِكَ عَلَى مِصْرَاعَيْهَا، مُعْتَقِدًا أَنَّهَا رَفِيقَةُ دَرْبٍ لَنْ يُفْلِتَهَا الزَّمَانُ مِنْكَ أَبَدًا. وَلَكِنْ تَأْتِي لَحْظَةُ الْحَقِيقَةِ، تِلْكَ اللَّحْظَةُ الَّتِي تَنْكَشِفُ فِيهَا خَفَايَا النُّفُوسِ، وَيَظْهَرُ الْخِذْلَانُ كَطَيْفٍ قَاتِمٍ، يُطْفِئُ بَرِيقَ الْأَمَلِ، وَيَكْسُو الرُّوحَ بِمَرَارَةٍ لَا تُوصَفُ.

 

الفِرَاقُ لَيْسَ مَجَرَّدَ وَدَاعٍ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ احْتِرَاقُ كُلِّ مَا بُنِيَ عَلَى أَمَلٍ كَاذِبٍ. يُمَزِّقُكَ دَاخِلِيًّا، فَتُصْبِحُ أَسِيرَ الذِّكْرَيَاتِ الَّتِي كَانَتْ يَوْمًا تَمْلَأُ قَلْبَكَ دِفْئًا. تَشْعُرُ أَنَّ العَالَمَ بِأَسْرِهِ قَدِ انْكَمَشَ، وَضَاقَ بِكَ، وَكُلَّ مَا تَبَقَّى لَكَ هُوَ فَرَاغٌ مُوحِشٌ، وَمَكَانٌ فَارِغٌ فِي قَلْبِكَ يَصْعُبُ مَلْؤُهُ.

 

وَالْخِذْلَانُ أَكْبَرُ مِنْ كَوْنِهِ أَلَمًا عَابِرًا؛ إِنَّهُ جُرْحٌ فِي كَرَامَةِ الثِّقَةِ الَّتِي مَنَحْتَهَا دُونَ قَيْدٍ أَوْ شَرْطٍ، جُرْحٌ يُعَلِّمُكَ أَنْ تُعِيدَ بِنَاءَ نَفْسِكَ بِرُوِيَّةٍ، وَأَنْ تَضَعَ حُدُودًا لِحِمَايَةِ قَلْبِكَ مِنْ سِهَامِ الْخَيْبَةِ.

 

رُبَّمَا، فِي لَحْظَةِ صِدْقٍ مَعَ ذَاتِكَ، تُدْرِكُ أَنَّ هَذَا الفِرَاقَ لَمْ يَكُنْ خَسَارَةً لَكَ، بَلْ وِلَادَةً جَدِيدَةً لِرُوحٍ أَقْوَى وَأَعْمَقَ، رُوحٍ تَرْفُضُ أَنْ تُكْسَرَ ثَانِيَةً، وَتَعْرِفُ قَدْرَهَا، وَتُدْرِكُ أَنَّ الحُبَّ الحَقِيقِيَّ لَا يَأْتِي بِالْخِدَاعِ، وَلَا يُبَاعُ بِثَمَنِ الْخِذْلَانِ.