ألف صديق… ولا كتف واحد
الكاتب هانى الميهى
الفصل الرابع
السر
لم تعد مأساة الإنسان أنه يعيش وحده… بل أنه قد يعيش محاطًا بالجميع، ولا يجد قلبًا واحدًا يحتمل صدقه.
لم يعد الوصول إلى الناس أمرًا صعبًا.
يكفى أن تلمس شاشة صغيرة، فتفتح أمامك عشرات الأسماء، ومئات الصور، وآلاف الكلمات.
لم يعد أحد بعيدًا.
لكن الغريب…
أن القرب أصبح أكثر ندرة من أى وقت مضى.
أتأمل أحيانًا تلك القوائم الطويلة التى نسميها “جهات الاتصال”.
أسماء لا تنتهى.
وجوه نعرفها.
وأرقام نحفظها.
لكننى أتساءل فى صمت…
كم اسمًا من بينها يستطيع أن يميز ارتعاش صوتك إذا قلت له: “أنا متعب.”
كم واحدًا سيترك ما فى يده لأنه شعر أنك تحتاجه؟
وكم واحدًا سيجلس إلى جوارك صامتًا، دون أن يبحث عن كلمات ذكية، لأن وجوده وحده يكفى؟
هناك فرق شاسع…
بين من يعرف اسمك…
ومن يعرف وجعك.
لقد أصبحت المعرفة سهلة.
أما المعايشة…
فأصبحت نادرة.
نعرف أين يسافر الناس.
وماذا يأكلون.
ومتى يبتسمون للكاميرا.
لكننا لا نعرف متى انطفأت أرواحهم.
ولا متى احتاجوا إلى يد تمسك بأيديهم.
لقد امتلأت حياتنا بالمعلومات عن البشر…
وفرغت من المعرفة الحقيقية بهم.
كان الإنسان قديمًا يطرق باب صديقه بلا موعد.
أما اليوم…
فقد يتردد طويلًا قبل أن يرسل رسالة.
ليس لأن المسافة بعيدة…
بل لأن القلوب أصبحت أكثر انشغالًا من الطرقات.
كل واحد يحمل عالمًا كاملًا فى جيبه.
لكن هذا العالم لا يفسح مكانًا كبيرًا لإنسان يجلس بجواره.
أخشى أننا استبدلنا العلاقة بالحضور المؤقت.
صرنا نظن أن السؤال المكتوب يكفى عن السؤال الصادق.
وأن رمزًا صغيرًا يحمل شكل قلب، يستطيع أن يحمل دفء القلب نفسه.
لكن القلب لا يعرف الرموز.
إنه يعرف الوجوه.
ويعرف نبرة الصوت.
ويعرف اليد التى تمتد دون أن تُطلب.
ليست كل الأحاديث تصنع مودة.
وليست كثرة الكلام دليلًا على القرب.
كم من إنسان تحدث ساعات…
ثم عاد إلى بيته أكثر وحدة.
وكم من صديق جلس دقائق معدودة…
فأزال عن قلب صاحبه تعب سنوات.
العلاقات لا تُقاس بعدد الرسائل.
ولا بعدد الصور المشتركة.
ولا بعدد المناسبات.
إنها تُقاس باللحظة التى يسقط فيها الإنسان من داخله…
فيجد من يلتقطه قبل أن يرتطم بالأرض.
ربما لهذا السبب…
لم يعد أكثر ما يخيف الإنسان أن يمرض.
ولا أن يخسر مالًا.
بل أن يكتشف، فى أكثر لحظات حياته هشاشة، أنه لا يعرف إلى من يتجه.
أن ينظر حوله…
فيرى الأسماء كثيرة…
لكن الأمان قليل.
لقد منحنا هذا العصر قدرة مذهلة على أن نجد بعضنا.
لكنه لم يعلمنا كيف نبقى مع بعضنا.
ولهذا أصبح اللقاء سهلًا…
أما الطمأنينة، فما زالت تبحث عمن يحتملها.
رسالة الفصل
الصديق الحقيقى ليس من يشاركك كل لحظات الفرح، بل من يعرف الطريق إليك حين تغلق الحياة جميع الأبواب.
تمهيد الفصل الخامس
لكن ماذا حدث لنا حتى أصبحنا نهتم بأن يرانا الجميع… أكثر من اهتمامنا بأن يعرفنا أحد؟






المزيد
هل من وقت لأستريح به بقلم سها مراد
الحياة التى نعرضها بقلم الكاتب هانى الميهى
لأننا ظهرٌ واحد.. سننجح مهما طال الطريق بقلم ابن الصعيد الهواري