مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

خم الرماد

كتب:محمد صالح 

 

تحتوي الثقافة السودانوية الكثير من المفردات العميقة ذات الأثر البليغ الذي يترتب عليه الكثير من النتائج، والتي تبني عليها أفعال مجتمعنا، من ضمن هذه المفردات يأتي ، (خم ..الرماد) ومن المعلوم أن الرماد هو نتاج حرق الحطب والفحم وهو ما يتبقي من الناتج النهائي من عملية الحرق هذه، وتأتي لفظة (خم)

من الدارجية السودانية التي تعني الأخذ الكلي النهائي، وترمز الدلالة في لفظة المصطلح علي الإقبال علي الأخذ النهائي الكلي الذي يسبق بدايات محددة لا يمكن الأخذ خلالها لقداستها الإجتماعية ، ولإنكار فعلها الشخصي في الأماكن العامة، ويتداخل المصطلح مع التعواد والممارسات لأفعال في أوقات ما يحظر القيام بها في هذه الفترات المقدسة .

وهذه ثقافة تخرج من مجتمع ذكي وقوي في عمقه الثقافي والعقدي، إذ جاء المصطلح معبراً عن التشبع بالتربية الأخلاقية والدينية علي نحو يحترم العادات والتقاليد، وما جذبني للحديث عن مصطلح ( خم….الرماد) هو المناسبات الدينية كالصيام ، إذ يستخدمه الكثيرون بطريقتهم ، ويعبرون عنه بصور مختلفة فمثلاً تجد من تعود علي شرب الخمر أو القمار أو الخروج مع الفتيات أو غيرها من العادات والممارسات التي يمارسها البعض، تجده يحاول خلق مناسبة في الأيام التي تسبق رمضان يطلق عليها ( خم.. الرماد) فتجده يكثر في يوم ما في هذه الأيام من عادته ويحاول تناول الكثير حتي يتشبع، محاولة منه في خم الرماد، والذين يختلطون بالفتيات تجدهم يختلقون الرحل والمناسبات كي يخموا الرماد، والذين يرتادون الحانات أيضًا في تلك الأيام يفكرون في خم الرماد، ولكن ليس هؤلاء وحدهم، هنالك نواحي إيجابية إذ تخلق بعض الأسر مناسبات ولمات إجتماعية جميلة يذبحون فيها الخراف ليخموا الرماد، ويخلقون مع زوجاتهم جولات خاصة وأجواء جميلة في ممارسة خم الرماد بالطريقة الإيجابية، وهذا تماهي إجتماعي بتحوير وتحويل هذه العادة من التركيز علي التشبع من عادات يحرم عليهم فعلها في وقت الصيام،إلي عادات ولمات جميلة وونسات وزبائح يسمونها (خم الرماد)وبالتالي خفف ذلك الكثير من النظرة السلبية لهذه العادة الإجتماعية التي تعبر عن السودانيين بشكل كبير.

بعض الشباب أيضا يجعلون من الرحل المقصود بها الترفيه والتشبع باللمات المفرحة المليئة بالأهازيج والترويح عن النفس، بصورة تبعث علي تهيئتها لأيام مشبعة بالتعبد، هو تفكير إيجابي في نظري، فخم الرماد

بهذه الطريقة يذكي الهوية الوطنية ويشحذ الصحة النفسية ويدعمها، ويحقق بذلك نوع من الشحن والتفريغ العاطفي الذي يمتلئ بالقداسة والتفكير المبدع للعقلية السودانية التي توازن بين النفس والقداسة. والتربية الدينية والقيم والمشاعر الأخلاقية، وبالتالي يكون خم الرماد لونية ثقافية سودانية وإبداع عجيب وذكي وقيمة تلهم الكثيرين موقف حياتي يوازن بين القداسة والعبادات وعيش الحياة في صورة تجمع بين

التربية والقيم الأخلاقية والحقوق النفسية، هذا يجعلنا نعرف زكاء السودانيين الخارق حتي في العادات.

هنالك جانب آخر هو( خم الرماد ) عند الصوفية(جماعات دينية نشأت علي إثر دخول السيد الشيخ عبدالقادر الجيلاني العراقي الأصل) وهؤلاء يخمون الرماد علي طريقتهم فهم عندهم شهر شعبان فيه مناسبات حافلة بالإكثار من القيام وإقامة الطقوس التي تشيع في النفس معاني روحية خالدة تجعل من إرواء ظمأ النفس ممكناً وتشبع لزومي يغوص بك عميقاً نحو معاني التأمل والإرشاد، ومراتب الفضل وبالتالي السوْق(مصطلح يعني الشمول والإصطحاب)نحو تهيئة النفس في هذه المرحلة.

وخم..الرماد بطريقة تجعل من التشبع والأخذ بمقدار كبير من الأجور والإجتهاد في مرحلة ما قبل رمضان وهذا يعزز إحياء النفس والشعور وإضافة طاقة إيجابية تمكن الشخص من تقبل وفتح الشهية نحو شهر كامل من التعبد الخالص ورؤية إجتهاده المقصر في كل شئ، مهما أجاد وأكثر.

فخم…الرماد..

يشكل مفردة إجتماعية هامة خرجت من صلب الثقافة السودانية بطريقة تحترم العادات والتقاليد وتحترم الموروثات العقدية وبالتالي إحداث شئ من التوازن.

فخمو الرماد بالطريقة الإيجابية ولا تغركم أفعال الشيطاين وأصحاب الأهواء فتهلكوا…