مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين يظنّ القلب أنه ناقص – الكاتب هاني الميهى

حين يظنّ القلب أنه ناقص
بقلم: هاني الميهي
يُخطئ القلب حين يظن أن اكتماله مربوط بيدٍ أخرى تمسكه،
أو بحضورٍ يمنحه المعنى.
فالقلب في جوهره لا يكتمل بالناس، بل بفهمه لذاته.
وما يسمّونه حبًّا، كثيرًا ما يكون بحثًا عن ضوءٍ في ظلامٍ داخلي،
لا علاقة له بالآخر، بل بما نفتقده نحن فينا.
كثيرون لا يُدركون أن الخوف من الاختيار ليس حذرًا،
بل هو بقايا جرحٍ قديمٍ لم يُعالج بعد.
حين تخاف أن تحبّ، فليست المشكلة في الحبّ ذاته،
بل في ذاك الجزء منك الذي لم يغفر بعد لمن كسرك أول مرة.
أنت لا تتهربين من الناس،
بل من النسخة الضعيفة التي كنتِها حين أحببتِ.
هناك من يعيش عمره يختبر الشعور ذاته بأسماء مختلفة،
ويظن في كل مرة أنه بدأ من جديد،
بينما هو في الحقيقة يعيد المشهد نفسه بحروفٍ أخرى،
لأنه لم يُكمل الدرس الأول بعد.
القلوب التي تبقى عالقة في “النصّ الناقص” لا تبحث عن تكملة،
بل عن تبرير.
تبرير يجعلها تصدّق أن النهاية لم تكن فشلًا، بل مؤامرة من القدر.
لكن الحقيقة البسيطة التي نهرب منها هي أن بعض الحكايات
تكتمل حين تنتهي،
وأن بعض الأبواب تُغلق لا لتُفتح، بل لتُذكّرنا أننا أخطأنا الطريق.
الحبّ لا يموت حين يرحل الطرف الآخر،
بل حين نصحو على وعينا، وندرك أن ما ظننّاه حبًّا
كان انعكاسًا لحاجتنا إلى من يُشبه الحلم لا الحقيقة.
ما من يدٍ تُفلت إلا وقد أفلتت قبلها إرادة،
وما من وجعٍ يبقى إلا لأننا نطعمه كل يوم من ذاكرتنا.
حين نتوقف عن استعادة الوجع، يبدأ بالذوبان.
وحين نُدرك أننا لم نُخلق لنُكمَّل بآخر،
بل لنتكامل بذواتنا، يصبح الفقد تدريبًا على الحكمة لا على الحنين.
ما فاتكِ لم يكن “نصًّا ناقصًا”،
بل كان فصلًا تدريبيًّا من كتابٍ أطول عنوانه “أنا كما يجب أن أكون”.
وما أُغلق من أبوابٍ لم يُغلق عقابًا،
بل حماية من عبورٍ لم يَحن وقته بعد.
تذكّري دائمًا:
ليس كل من مضى يستحق أن يعود،
ولا كل ما يُشبه النقص يستحق أن يُكتمل.
أحيانًا، الجمال في النقص،
وفي أن تبقي الصفحة مفتوحة لتكتبي أنتِ سطورك القادمة وحدك،
من غير يدٍ تُفلت، ولا ظلٍّ يرافقكِ إلا ظلك.