حين يخزلنا الزمان
بقلم عمرو سمير شعيب
ليست الدنيا كما نظنها حين نستقبلها بقلوبٍ بيضاء وأرواحٍ لم يمسسها التعب بعد، فهي لا تحفظ وعدًا، ولا تُبقي على فرح، ولا تمنح الإنسان شيئًا إلا لتُذكّره يومًا أن كل ما فيها مؤقت، وأن كل ما يُؤخذ منها مردود إليها ولو بعد حين. إنها تُعطيك الطمأنينة لحظة، ثم تنتزعها منك حين تألفها، وتفتح لك أبواب الرجاء حتى إذا اطمأن قلبك إليها أغلقتها في وجهك دون إنذار، وكأنها لا تجيد إلا تعليم الإنسان دروسها بالطريقة الأقسى. والعجيب في هذه الحياة أنها لا تختبر إلا أكثر القلوب صدقًا، ولا تُثقل إلا أرواح الذين لم يعرفوا الأذى طريقًا إلى نواياهم، فكأن نقاء القلب في هذا العالم لم يعد فضيلة يُكافأ عليها الإنسان، بل عبئًا يدفع به ثمن طيبته في زمنٍ صار اللين فيه ضعفًا، والصدق فيه سذاجة، والوفاء فيه خسارة لا يحتملها إلا أصحاب النفوس النقية.
وما أكثر الذين دخلوا هذه الدنيا وهم يظنون أن الخير يُقابل بالخير، وأن الوفاء يُرد بالوفاء، وأن القلب الصادق يجد من يُشبهه، ثم ما لبثوا أن أدركوا بعد أولى صدماتهم أن الزمان لا ينحاز للأصدق نية، ولا للأطيب قلبًا، بل كثيرًا ما يمنح انتصاراته لمن كان أصلب قسوة وأقل شعورًا. وليس ظلم الزمان في أنه يأخذ منا ما نحب فحسب، بل في أنه يفعل ذلك بعد أن يجعلنا نطمئن إليه، فيجعل الانكسار أشد وقعًا، والخذلان أعمق أثرًا، لأن أقسى الألم ليس فيما نفقده، بل في الطريقة التي نفقده بها بعد أن حسبناه ثابتًا لا يزول.
وكم من إنسان ظن أنه وجد مأمنه في شخصٍ أو حلمٍ أو مكان، فإذا بذلك المأمن نفسه يصبح بابًا لخذلان جديد، وكم من روحٍ بنت مستقبلها فوق أكتاف الأمل، ثم استيقظت يومًا لتجد أن الأمل الذي تعلقت به لم يكن إلا وهمًا جميلًا أتقن خداعها حتى صدقته. ومع ذلك كله، يمضي الإنسان في طريقه، لا لأنه اعتاد الألم أو صار لا يشعر، بل لأن كثرة الوجع تُحوّل المرء مع الوقت من إنسانٍ يتألم إلى إنسانٍ يفهم؛ يفهم أن الدنيا لا تُؤتمن، وأن الزمان لا يرحم، وأن النجاة الوحيدة في هذه الحياة ألا يمنح الإنسان قلبه كاملًا لشيءٍ فانٍ، وألا يربط روحه بما خُلق أصلًا ليزول، فكل ما في هذه الدنيا راحل، وكل ما فيها عابر، وما نحن فيها إلا عابرون مثلها، نمضي فوق أرضها مثقلين بما تعلمناه من وجعها، حتى نُدرك أخيرًا أن الحياة لم تكن يومًا موطن راحة، بل درسًا طويلًا في الفقد، وامتحانًا صامتًا في الصبر، ورحلةً لا ينجو منها إلا من تعلّم كيف يبتسم رغم انكساره، وكيف يصمت رغم الضجيج الذي يثور في قلبه كل ليلة.






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى