مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين يتكلّم الصمت بقلم أمجد حسن الحاج

حين يتكلّم الصمت
بقلم: أمجد حسن الحاج

ليس كلُّ صمتٍ فراغًا، ولا كلُّ سكونٍ عجزًا، فثمّة أرواحٌ اختارت أن تجعل من الصمت لغةً، ومن الوقار حديثًا، ومن الثبات موقفًا لا تهزّه العواصف. إن الضجيج قد يصنع حضورًا مؤقتًا، أما الهيبة فتصنعها النفوس التي لا تحتاج إلى أن تُعلن عن نفسها؛ لأنها تعرف أن الأفعال أصدق من الأصوات، وأن الزمن وحده هو القادر على كشف معادن الرجال.
هناك لحظاتٌ ينسحب فيها الإنسان من صخب العالم، لا خوفًا من المواجهة، بل احترامًا لنفسه، وإيمانًا بأن بعض المعارك لا تستحق أن تُخاض، وبعض الكلمات لا تستحق أن تُقال، وبعض الأشخاص لا يستحقون أن يُمنحوا من العمر لحظةً واحدةً من الاهتمام. فالصمت في موضعه حكمة، والعزلة في وقتها نجاة، والسكينة ليست ضعفًا، بل هي قمّة السيطرة على النفس.
كم من شخصٍ ظنّ الناس أنه انتهى لأنه اختفى، وما علموا أن الجبال لا تُرى عظمتها إلا من بعيد، وأن البحر لا يُظهر عمقه إلا لمن يقترب منه. فليس كلُّ غيابٍ انكسارًا، بل قد يكون استعدادًا، وليس كلُّ هدوءٍ خمولًا، بل قد يكون بدايةً لقوةٍ تتكوّن في الخفاء، حتى إذا جاء أوانها ظهرت دون استئذان، وأثبتت أن الزمن لا ينسى أصحاب العزائم.
إن الإنسان الحقيقي لا يقيس قيمته بعدد من يعرفه، ولا بعدد من يصفّق له، وإنما يقيسها بما يتركه من أثر، وبما يحمله من مبدأ، وبما يصنعه حين تغيب العيون. فالأخلاق لا تحتاج إلى جمهور، والكرامة لا تحتاج إلى شاهد، والصدق لا ينتظر تصفيقًا؛ لأنه يعرف أن الله يرى ما تخفيه الصدور، وأن الحق لا يضيع وإن طال الطريق إليه.
وما أكثر الذين يملؤون الدنيا كلامًا، فإذا حضر وقت العمل تراجعوا، وما أقل الذين يلتزمون الصمت، فإذا جاء الموقف كانوا أول الواقفين، وآخر المنسحبين. أولئك هم الذين تصنعهم الشدائد، وتربّيهم الأيام، وتمنحهم التجارب من الحكمة ما لا تمنحه الكتب.
إن الليل لا يخيف من اعتاد التأمل، ولا تزعجه العتمة إذا كان يحمل في داخله نورًا لا ينطفئ. فالنور الحقيقي ليس ما تراه العيون، بل ما يسكن القلب من يقين، وما يملأ الروح من إيمان، وما يثبّت الخطى حين تضطرب الطرق. ومن امتلك هذا النور، لم يضلّ وإن كثرت الظلمات.ولعل أعظم الانتصارات ليست تلك التي يراها الناس، بل تلك التي ينتصر فيها الإنسان على نفسه، على غضبه، وعلى يأسه، وعلى رغبته في الرد على كل إساءة. فكم من كلمةٍ سكت عنها صاحبها فارتفع قدره، وكم من موقفٍ تجاوزه فازداد احترامًا، وكم من ألمٍ أخفاه فكان سببًا في نضجه وقوته.

وهكذا تمضي الحياة، تكشف الأقنعة، وتمتحن القلوب، وتُظهر للناس أن القيمة ليست في المظهر، ولا في كثرة الحديث، بل في الثبات حين يتغير الجميع، وفي الوفاء حين يرحل الجميع، وفي الصبر حين يظن الجميع أن النهاية قد اقتربت.

فالصمت ليس غيابًا، وإنما هو حديثٌ لا يفهمه إلا أصحاب البصائر، والعظمة ليست في أن يراك الناس، بل في أن يبقى أثرك حيًّا فيهم، حتى وإن لم يعرفوا اسمك.