مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين خذلني الضوء بقلم أمجد حسن الحاج

حين خذلني الضوء بقلم أمجد حسن الحاج

 

لم أكن أعلم أن البكاء يمكن أن يُغرق الروح أكثر مما يُغرق الوجوه، وأن الدموع ليست ماءً، بل رمادًا سائلًا يتساقط من رمقٍ محترق في صدري.
كل شيءٍ في داخلي يصيح، لكن الصوت مكبّل بين الضلوع، لا يجد طريقه إلى الخارج، وكأن اللهيب اختار أن يقيم في القلب، لا في النار.
أمسح دموعي كمن يدفن وجعه بيده، لكن اليد ترتجف، والخطوط التي رسمها الزمن على راحتي تهمس لي بأن الألم لا يُمسح، بل يُعاش.

تذكّرت كل لحظة كنتُ فيها أبتسم رغم الانكسار، وأضحك رغم الفقد، وأتماسك خوفًا من أن ينهار أحد غيري. لكن الحقيقة أنني كنتُ أنا المنهار منذ البداية، فقط كنتُ أُجيد تمثيل القوة.
كل الليالي التي ظننتها عابرة، كانت تبني في صدري حزنًا لا يشيخ، وكل الغياب الذي اعتدت عليه صار وطنًا يسكنني أكثر من أي بيت.
الوجوه التي أحببتها رحلت دون أن تلتفت، والذكريات التي أردتُ نسيانها التصقت بي كظلٍّ لا يغادرني حتى في الظلام.

أشعر أنني أتنفّس من مكانٍ مكسور، كأن الهواء نفسه يرفض الدخول إلى صدري.
أبحث عن دفءٍ صغير، عن كلمةٍ طيّبة، عن يدٍ تقترب دون سؤال، لكن كل ما يأتيني هو الصمت… صمت بارد كالمقابر، ثقيل كالأيام التي لا تنتهي.
كل ما حولي أصبح باهتًا؛ الألوان، الأصوات، الوجوه، وحتى الضوء، كأنه تآمر مع الليل ليُخفي ملامحي عن نفسي.

أكتب الآن لأني لم أجد من يسمعني، أكتب لأُخفف عني وزن هذا الحزن، لأتفاوض مع وجعي بالكلمات.
أكتب لأني أخاف أن يتآكل قلبي من الداخل دون أن ينتبه أحد.
أكتب لأني ما زلت أحيا رغم أني متُّ في أشياء كثيرة، ولأن الصبر صار عبئًا لا دواء.

يا الله، كم نحن ضعفاء حين نفقد من نحب، وكم نحن أغبياء حين نُحب بصدقٍ في زمنٍ يبيع المشاعر بثمنٍ بخس.
الوجع لا يرحل، إنه ينام قليلًا ليعود أقسى. والحنين لا يشفى، إنه يُصاب بالجنون كلما مرّ طيفُ من غاب.
الدموع التي تسيل الآن ليست فقط حزناً، بل وداعًا مؤجلًا لكل شيء جميل صدّقته.

ربما غدًا أضحك، أو أتظاهر بالضحك، لكنني أعلم أن شيئًا ما في داخلي لن يعود كما كان.
هناك جرحٌ لن يلتئم، ودمعةٌ ستبقى عالقةً في منتصف قلبي، تنتظر سقوطًا لا نهاية له.
وسيبقى الليل صديقي الأوفى، لأنه وحده لا يسألني لماذا أبكي…