مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين استيقظ الحجر: للكاتبة: سعاد الصادق

حين استيقظ الحجر:
للكاتبة: سعاد الصادق

قصةقصيرة

ليست المتاحف مجرد أماكن تُعرض فيها الآثار، بل نوافذ يطلّ منها الماضي على الحاضر، وفضاءات تتقاطع فيها خطى البشر مع أصداءٍ بقيت حيّة رغم مرور آلاف السنين. وفي المتحف المصري الكبير، حيث تجتمع ذاكرة أمة في قلب بناء واحد، تبدأ حكاية لا يُمكن أن تحدث إلا هناك…

كانت “شهد” تعتقد أن زيارتها للمتحف المصري الكبير ستكون عابرة؛ جولة قصيرة تُطفئ فيها فضولًا قديمًا تجاه الحضارة التي طالما أغرتها بعظمتها. لكنها لم تكن تعلم أن قدميها تقودانها إلى شيء مختلف… شيء يشبه استدعاءً خفيًّا.

منذ أن اقتربت من الواجهة الزجاجية اللامعة، شعرت أن المكان لا يكتفي بأن يُرى، بل يُراقب. انعكس ضوء الشمس على السطح الضخم، فظهر وجهها مُحاطًا بظلّ تماثيل بدَت كأنها تترقب وصولها. ومع أول خطوة داخل القاعة، انسحب العالم كله خلفها، وعمّ الصمت… ذلك الصمت الذي يسبق عادةً حدثًا لا يمكن تفسيره.

تجوّلت بين المومياوات والتماثيل الضخمة والأساطير المحفورة على جدران الزمن، لكن شيئًا ما كان يدفعها نحو زاوية بعيدة، أقل ازدحامًا، وأكثر غموضًا.

هناك…
كان التمثال الصغير ينتظرها.

لم يكن يحمل ملامح ملك، ولا تاجًا، ولا حتى مكانة بارزة بين الكنوز. مجرد قطعة حجر لا يلتفت إليها أحد. لكن عينيه المنحوتتين كانتا مختلفتين… نظرة ثابتة، لكنها مفعمة بشيء لا يشبه الجماد.

اقتربت شهد بخطوات مترددة، فانبثق من داخل الصمت همسٌ خفيف، خافت، لكنه واضح:

“أخيرًا… جئتِ.”

تجمّدت في مكانها. لم يتحرك التمثال، لكن الصوت تردّد داخله كما لو أن الحجر يحمل قلبًا يخفق. حاولت أن تلمس سطحه البارد، وما إن لامسته أطراف أصابعها حتى غمر القاعة ضوءٌ مباغت.

اختفى السائحون، وتلاشت الجدران، وامتدّ أمامها مشهد آخر…

كانت تقف وسط صحراء ذهبية، والعمال يشيدون جدران معبد ضخم. سمعت أصواتهم تتعالى، ورأت طفلاً صغيرًا يحمل التمثال ذاته، يضعه بعناية وكأنه يكتم داخله سرًا أكبر من حجمه.

ثم…
انطفأ الضوء.

عادت القاعة إلى حالتها الطبيعية، لكنها لم تعد كما كانت قبل لحظة.
ولا شهد كذلك.

نظرت إلى التمثال الثابت أمامها، فأتاها الهمس ثانيةً:

“لستُ أثرًا… أنا شاهد.”

شاهد على زمن لم تنطفئ روحه. شاهد على قصص دُفنت ولم تجد من يسمعها. شاهد انتظر آلاف السنين حتى تقع عليه عين تُدرك ما تخبئه العين الأخرى.

ابتسمت شهد ابتسامة خفيفة—مزيج من خوف ودهشة وطمأنينة—ثم جلست على أقرب مقعد وكتبت في دفترها:

“التاريخ لا يقيم في vitrines زجاجية… إنه يقيم في كل من يستطيع أن يراه حيًّا.”

وعندما همّت بالخروج، التفتت للتمثال مرة أخيرة.
كان ساكنًا كما يراه الجميع.
لكن في عمق عينيه… لمع بريق صغير، خافت، لكنه حقيقي، كأنه يودّعها بعد أن أدّى رسالته.

وغادرت شهد المتحف وهي تعلم شيئًا واحدًا فقط:
بعض الحجر… لا ينام.