حوار بقلم: آيه طه
في زمن تتسارع فيه الكلمات وتبهت فيه المعاني، تظلّ بعض الحروف قادرة على التوغّل في عمق الوجدان، لتُعيد للكتابة روحها الأولى، حيث الألم أصدق من الزينة، والحبر امتدادٌ للروح لا للسطح. في هذا الحوار، نقترب من عالم الكاتب مراد أقادير، الذي لا يكتب ليُسلّي، بل ليقول الحقيقة بصوتٍ يتردّد بين الهمس والصراخ.
هنا، نكتشف معاناة الكاتب وفرحه، شكّه ويقينه، ونقترب من نصوصه غير المنشورة كما نقترب من شرفاته المفتوحة على الوجود والعدم، وعلى الخيال حين يُضيء ظلال الواقع.
1. بداية، كيف تعرف نفسك للقراء؟
مراد اقادير، كاتب تتقاطع في عالمه الرواية بالفلسفة، لا يبحث عن إمتاع القارئ بقدر ما ينشدُ مشاركته ذلك الأثر الوجداني العميق الذي تخلفه سنواتٌ من المواجهة مع قسوة الحياة. تأتي كلماته أحيانًا همسًا حانيًا ينصت لأوجاع الذات، وتأتي أخرى صرخة تعانق الألم الإنساني المشترك.
2. كيف كانت انطلاقتك في عالم الكتابة؟ وهل كنت تخطط لأن تصبح كاتبًا منذ البداية؟
بدأت رحلتي مع الكتابة بعد تخرجي من الكلية، دون تخطيط مسبق لأن أكون كاتبا. كانت الفلسفة والكتابة ملاذا لي من واقع أثقل كاهلي، لكني لم أدرك حينها أن هذا الهرب سيتحول إلى مصير. لم تكن الكتابة خياراً واعياً، بل كانت وليدة سنوات من الألم والإكتئاب الذي تراكم في صمت، حتى اضطرّني أخيرًا إلى البوح.
3. ما أول نص كتبته؟ وهل ما زلت تحتفظ به؟
أول نص كتبته كان قصة قصيرة بعنوان “خروف العيد” أعتقد في السنة الثالثة إعدادي. تحكي القصة البسيطة عن طفل تعلق بشخصية خروف في رسوم متحركة، ثم يأتي الأب بخروف العيد الحقيقي، فينشأ صراع عاطفي حين يرفض الطفل التضحية به. على الأقل أستطيع اليوم أن أبتسم لأن بداياتي الأدبية لم تكن بتلك السوداوية التي طغت لاحقًا على كتاباتي. أما عن الاحتفاظ بالنص، فالإجابة لا، لأنه كان في الأصل واجبًا مدرسيًا للإنشاء، وفي الغالب تم رميه من طرف المؤسسة.
4. هل تتذكر اللحظة التي شعرت فيها أن الكتابة أصبحت جزءًا منك لا يمكنك التخلي عنه؟
نعم، أتذكر هذا جيدًا لقد حصل الأمر حين أدركت أن الكلمات يمكن أن تكون طريقًا إلى الآخر ليس فقط لمن يتحدثون بلغتك بل إلى العالم. لم يكن مجرد اكتشاف لقدرة على التعبير، بل كان يقينًا بأن الأفكار التي تثقل صدري يمكن أن تجد متنفسها في حروف تنبض بالحياة.
5. من أين تستمد أفكارك؟ وهل تعتمد على الخيال أم الواقع أكثر؟
تَنبع أفكاري من مشاعري بدرجة أولى، فهي الشرارة التي تنطلق منها الفكرة. ولكن بالرغم من أنني أرتكز إلى الواقع كأرضية خصبة، إلا أني لا أنكر أن الخيال هو ذلك المصباح السحري الذي ينفخ في الكلمات الروح. ففي النهاية، أليست الكتابة – مهما اختبأت خلف ستار الواقعية – مجرد حلم منظم؟ أؤمن بأن الفكرة قد تنشأ من أي شيء، حتى من تفاهة عابرة، من ضحكة خبيثة في الشارع، أو حتى من ذبابة مزعجة.
6. كيف تصف علاقتك بالشخصيات التي تخلقها؟ وهل تتأثر بها نفسيًا بعد انتهاء العمل؟
علاقتي بالشخصيات أشبه بالعلاقة الرسمية التي يسودها الاحترام والتقدير، لأنها غالبًا ما تكون مستوحاة من شخصيات حقيقية في الواقع، حتى لو لم أستطع الإشارة إليها صراحةً أو جعل التشابه بينها وبين الشخصيات المتخيلة واضحًا. هذا الالتباس بين الواقع والخيال هو بالضبط ما يجعل التأثر بهذه الشخصيات جزءً لا يتجزأ من عملية الكتابة، بل ربما حافزًا إبداعيًا يدفعني إلى تطويرها بعمق أكبر.
7. هل تكتب في أوقات محددة أم حين يزورك الإلهام؟
صراحةً، لا يوجد وقت محدد للكتابة بالنسبة لي، فقد أكتب في الصباح الباكر أو في منتصف الليل، المهم أن يكون المكان مناسبًا. لكن لا أخفي أن عدم انتظامي في الكتابة يعود أساسًا إلى ضغوط العمل؛ فأنا أعمل أكثر من اثنتي عشرة ساعة يوميًا، وعندما أنهي دوامي، بالكاد أستطيع تحريك جسدي من شدة الإرهاق. هذا الوضع جعل مواصلة الكتابة شبه مستحيلة في كثير من الأحيان.
8. ما الطقوس أو العادات التي تلازمك أثناء الكتابة؟
ليس لديَّ طقوس ثابتة أو مثالية للكتابة. قد تكون محفزاتي غريبة أحيانًا؛ فمجرد ضحكة عابرة أسمعها في الشارع يمكن أن توقظ في رغبة جامحة في الكتابة. أحمل دوما دفترا صغيرا لأدوّن عليه الفكار العابرة، فهو بمثابة شريان الحياة لإبداعي. ومن المفارقات أنني لم أجرب طعم القهوة أبدا، رغم أنها تعدّ من الطقوس الأساسية للعديد من الكتّاب، وخاصة الكاتبات. عموما أجد ضالتي في الأماكن الصامتة والخالية من البشر.
9. هل تكتب لتُرضي نفسك أم القارئ؟ وأيهما برأيك أهم؟
الكتابة بالنسبة لي شيء وجودي قبل أن يكون هواية. أنا أكتب لأنني مضطر إلى تحرير تلك الأفكار التي تتخبط في أعماق اللاوعي، مطالبة بتحريرها. في لحظة الإبداع الخالص هذه، يغيب القارئ تمامًا عن وعيي، فلا مكان لأحد سوى حوار الذات مع النص. لكن هذا لا يعني عدم احترام القارئ، فاحترامي العميق للكتابة يفرض عليّ تقديم نص جدير بالقراءة. ويكفي أن أكون صادقًا مع نفسي أثناء عملية الكتابة ولا شيء آخر.
10. ما هي أصعب مرحلة تمر بها أثناء كتابة عمل جديد؟
أصعب مرحلة في الكتابة هي تلك اللحظة التي تبدأ الكلمات بالتشكل على الصفحات الأولى، لأن الرؤية الإبداعية نفسها لا تزال غير مكتملة. أشبه ذلك بمحاولة رسم لوحة في ضوء خافت، حيث تعرف أن هناك صورة كاملة في ذهنك، لكن يدك تتردد في نقلها بدقة المطلوبة.
11. ما العمل الأقرب إلى قلبك من بين ما كتبت، ولماذا؟
الرواية الأقرب إلى قلبي هي “العيش الحافي” لكنها لم تحظ بعد بفرصة النشر.
12. كيف ترى تطور كتاباتك من أول إصدار حتى اليوم؟
كما ذكرت ما زلت أنتظر الفرصة الملائمة لنشر عملي الأول، لكني أؤمن إيمانًا راسخًا بأن تطور الموهبة لا يرتبط حصرًا بالنشر. ففن الكتابة كأي حرفة إبداعية أخرى، يحتاج إلى المثابرة والمواظبة، سواء تحقق النجاح التجاري أم لم يتحقق.
13. هل هناك رسالة معينة تحرص على إيصالها من خلال كتاباتك؟
هدفي الأساسي من الكتابة هو أن أكون جسرًا يعبر عليه الألم الإنساني. أن أحاول نقل معاناة الناس بدقة وحميمية، ليس فقط لتسجيلها، بل لخلق مساحة من التقارب العاطفي بين القارئ وهذه التجارب. ربما تكون الكتابة محاولة متواضعة لفهم الآخر، أو بالأحرى، لمساعدتنا جميعًا على فهم بعضنا البعض.
14. كيف تتعامل مع النقد، سواء الإيجابي أو السلبي؟
صراحةً، سواء كان النقد إيجابي أو سلبي- فأنا أتعامل معه بمنهجية مختلفة. فأنا عندما أكتب، أتحمل مسؤولية كل كلمة أضعها على الورق بوعي كامل. إيماني الراسخ بأن الصدق في الكتابة هو المعيار الأهم يجعلني أتقبل النقد بروح صادقة؛ إن كان سلبيًا، أعتبره فرصة للتعلم والنمو، وإن كان إيجابيًا، فشكرًا.
15. ما نوعية الكتب التي تميل إلى قراءتها؟ ومن هم كتّابك المفضلون؟
عادةً قارئ كسول لأني أحب لعب ألعاب الفيديو أكثر أو مشاهدة مسلسل ما، لكنني ألتهم كل ما يقع بين يدي من كتب ومقالات، كما أفعل مع أطباق الطعام المتنوعة. لكنني أميل بشكل خاص إلى أعمال الروائي السوداني الكبير الطيب صالح، الذي أعتبره من أفضل أديب عربي بدون منازع. كما لا أنسى أن أتغذى بأعمال عمالقة الأدب العالمي الذين شكلوا ذائقتي الأدبية ووسعوا آفاقي الإبداعية.
16. هل ترى أن الكاتب يجب أن يكون قارئًا نهمًا؟
لا شك في أن القراءة تُعد ركيزة أساسية لتطوير الأدوات الكتابية، لكنها ليست العامل الحاسم في بلورة الأفكار الإبداعية. فجوهر الكتابة الأصيلة ينبثق من عمليات تفكير معقدة. القراءة تزودنا بالوقود، لكن المحرك الحقيقي يظل ذلك الحوار الداخلي الخلاق بين الكاتب وذاته.
17. في رأيك، ما الفارق بين كاتب موهوب وآخر مثقف؟
قد نجد أن الكاتب الموهوب هو في الأساس إنسان يحمل رؤية فكرية عميقة، بينما ينطبق مفهوم الكاتب المثقف على القارئ الشغوف الذي لا يشبع من المعرفة. لكني أرى أن هذه التصنيفات تظل نسبية إلى حد كبير، فالفنون الإبداعية لا تقبل القياسات الدقيقة، كما أن الحدود بين الموهبة الفطرية والثقافة المكتسبة كثيرًا ما تكون متداخلة فيما بينها.
18. ما تقييمك لمشهد القراءة في الوطن العربي حاليًا؟
يمكن تقييم مشهد القراءة في الوطن العربي من خلال عدة أمور، أولًا من حيث الانتظام، نجد أن هناك تناقضًا صارخًا بين القارئ المداوم الذي جعل من القراءة نمط حياة والقارئ المنقطع الذي يتعامل معها كضرورة أكاديمية تنتهي مع انتهاء مرحلة الدراسة. ثانيًا من حيث الوسيلة، حيث هناك تباين واضح بين القراء الرقميين الذين يعتمدون على الشاشات الإلكترونية والمحافظين على إرث القراءة الورقية بملمسها ورائحتها التقليدية. أرى أن المشهد القرائي العربي اليوم يعاني من أزمة هوية حقيقية. ونحن اليوم بحاجة إلى إعادة تشكيل الوعي بأهمية القراءة كحاجة وجودية وليست كنوع من الرفاهية.
19. كيف ترى دور الكاتب في مجتمعه؟ وهل عليه التزام فكري أو اجتماعي؟
أرى أن دور الكاتب الأساسي يتمثل في نقل الأفكار التي يعتنقها، أو تلك التي يجدها قادرة على الارتقاء بالذائقة الأدبية والفنية. من وجهة نظري، على الكاتب أن يحترم محيطه الاجتماعي، ولكن في إطار قناعاته الفكرية والفنية الخاصة.
20. هل ترى الجوائز الأدبية مقياسًا لجودة العمل؟
لا أملك معرفة كافية بمصداقية المسابقات الأدبية، لكن مجرد وصول عمل ما إلى مرحلة التنافس على الجوائز، أعتقد يعد مؤشرًا على جودته. مع ذلك، يظل اختيار الفائز النهائي عرضة للجدل أو لمجرد إرضاء بعض الأطراف.
21. هل واجهت صعوبات في نشر أعمالك؟ وكيف تعاملت معها؟
نعم، واجهت صعوبات عديدة لنشر أعمالي، ولا أزال أعاني. رغم فوزي بمسابقات نشر مجانية، إلا أنني رفضت المشاركة إما لغياب المعلومات الموثوقة عن دور النشر، أو بسبب شكوكي في نزاهتها. كما أنني أرفض دفع أي مبلغ لنشر أعمالي. فإما أن يقبل العمل لاستحقاقه الأدبي، أو يظل حبيس غرفتي. فأنا لا أبتغي الشهرة أو الظهور الإعلامي، ولولا الألم الذي يدفعني للكتابة لما كتبت أصلًا.
22. كيف تقيم علاقة الكاتب بدور النشر حاليًا؟ وهل ترى أنها منصفة؟
علاقة الكاتب بدور النشر هي علاقة تجارية بحتة، ونادرًا ما يعطى الجانب الأدبي وزنه الحقيقي. فالكاتب المغمور غير مرغوب فيه لأنه يعتبر مخاطرة غير مضمونة، بينما الكاتب المشهور أو الشخصية العامة تلقى ترحيبا أكبر بغض النظر عن جودة أعمالها. وأعتقد أن في هذا ظلم كبير جدًا.
23. ما رأيك في ظاهرة النشر الذاتي عبر الإنترنت؟
أجد نفسي عاجزا عن المواصلة؛ فساعات العمل الطويلة جعلت كل أعمالي متوقفة. أترنح بين خيارين مرّين: إمّا أن أتخلى عن حياتي الاجتماعية والأسرية، أو أتنازل عن شغفي الأول الذي لم أستطع حتى الآن تحويله إلى مصدر رزق دائم.
24. ما هو طموحك ككاتب؟ وهل هناك حلم لم يتحقق بعد؟
طموحي الأدبي هو الوصول إلى أكبر عدد من القراء ومشاركتهم رؤيتي المتواضعة عبر الكلمة الصادقة.
25. ما نصيحتك للكتّاب الشباب الذين يطمحون للدخول إلى هذا العالم؟
نصيحتي الوحيدة ألا تتركوا الحلم.
26. كلمة أخيرة لجمهورك ومحبي أدبك.
إلى القراء الأعزاء الذين لم يولدوا بعد، كل كلمة تقرؤونها هي حوار بين ضمائرنا. فاقرأوا بتأمل، وتساءلوا بجرأة.
في ختام هذا الحوار، نغادر عوالم مراد أقادير، لكن كلماته تبقى معنا، كتلك الندوب الجميلة التي يتركها الأدب الحقيقي في الذاكرة. بين الخيال والواقع، الألم والشفاء، يتأرجح قلمه بإخلاص لا يبحث عن شهرة، بل عن صدق.
ولعل أجمل ما يمكن أن نحتفظ به من حديثه هو تلك الدعوة الصامتة: أن لا نكتب إلا حين تعجز أرواحنا عن الصمت. وأن نقرأ، لا لنهرب من العالم، بل لنفهمه، ونفهم أنفسنا من خلاله.






المزيد
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب