مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حوار خاص مع المبدعة المتألقة حور طه داخل مجلة إيڤرست الأدبية.

في عوالم الأدب، حيث تتقاطع الحروف مع المشاعر، تبرز أسماء شابة استطاعت أن تترك بصمتها سريعًا، ومن بين هذه الأسماء الكاتبة “حور طه”، التي نسجت من واقعها وخيالها عوالمَ أسرت قلوب القرّاء. في هذا الحوار الخاص مع مجلة “إيفرست الأدبية”، نقترب أكثر من تجربتها، نكشف كواليس كتاباتها، ونكتشف الإنسانة خلف القلم.

 

– في البداية، نود أن نُعرّف القرّاء أكثر على الكاتبة حور طه. من هي حور الإنسانة قبل أن تكون كاتبة؟

أنا إنسانة بسيطة جدًا، لعل ما يميزني أنني أهرب من واقعي إلى عالمٍ آخر أصنعه بيدي. الحكايات التي أكتبها ليست مجرد كلمات، بل عوالم أتمنى أن أعيش فيها، ربما لأنها تحمل السلام، أو العدالة، أو حتى الألم الذي أستطيع السيطرة عليه، على عكس ما يحدث في الواقع.

 

– متى كانت أولى خطواتك في عالم الكتابة؟ وهل كنتِ تتوقعين أن تصلي إلى مرحلة النشر الورقي والمشاركة في المعارض؟

 

بدأت أولى خطواتي في الكتابة عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري تقريبًا. في ذلك الوقت، كنت أكتب أشياء بسيطة مثل يومياتي أو مواقف تحدث لي مع أصدقائي. أما البداية الحقيقية، فكانت منذ حوالي ثلاث سنوات، حين قررت أن أكتب رواية متكاملة للمرة الأولى. أما عن توقعي للوصول إلى مرحلة النشر الورقي والمشاركة في معرض كبير كمعرض القاهرة الدولي للكتاب، فلم يخطر ببالي ذلك إطلاقًا. النجاح الذي حققته على وسائل التواصل الاجتماعي كان، بعد توفيق الله، السبب الرئيسي في هذه الخطوة، وأحمد الله على كل ما وصلت إليه حتى الآن، فالحلم ما زال مستمرًا.

 

– من هو الشخص أو الحدث الذي شكّل نقطة البداية في كتابتك لأول رواية؟

 

أول من شجعني وآمن بموهبتي كانت صديقتي هدير منصور، فهي أول من قرأ روايتي الأولى، وقد كانت دعمًا حقيقيًا بالنسبة لي. ثقتها بي آنذاك أحدثت فارقًا كبيرًا، وكانت السبب الرئيسي في أن أؤمن بنفسي وأكمل هذا الطريق حتى اليوم. وأنا ممتنة لها كثيرًا على دعمها منذ البداية.

 

– هل تفضلين النشر الإلكتروني أم الورقي؟ وما هي مميزات وعيوب كل نوع من وجهة نظرك؟

 

بدايتي كانت مع النشر الإلكتروني، وهو ما صنع اسم “حور طه” وقدّمني للجمهور. وبصراحة، لا زلت أفضله حتى الآن؛ لأنه يصل إلى عدد أكبر من القرّاء دون حواجز جغرافية أو تكلفة، ويمنح الجميع فرصة لقراءة العمل بسهولة، ولكن في المقابل، هناك مخاطرة كبيرة في النشر الإلكتروني، خاصة إذا لم يحافظ الكاتب على حقوقه الفكرية، فمن السهل أن يُنسب العمل إلى شخص آخر، وقد تعرضتُ لهذا الموقف بالفعل، لكن بحمد الله تمكنت من استعادة حقوقي وإثبات ملكيتي للعمل، أما النشر الورقي، فبرغم جمهوره الأقل، ولا يصل العمل من خلاله بسهولة إلى الجميع، إلا أن له هيبة خاصة، ويمنح الكاتب شعورًا بقيمة تعبه حين يرى كتابه مطبوعًا بين يديه. ومن مميزاته كذلك أنه يحافظ على الحقوق الفكرية بصورة أقوى.

لذلك، يمكنني القول إن كلا النوعين متضادّان؛ ما يُعد ميزة هنا قد يكون عيبًا هناك، والعكس صحيح. ولكل منهما طابعه وتجربته الخاصة.

 

– ما هو أكثر عمل نُشر لك إلكترونيًا وحقق صدى واسع؟ ولماذا تعتقدين أنه لاقى هذا النجاح؟

 

روايتي “جرح صبا” كانت ثاني عمل أكتبه، ولم أكن أتوقع إطلاقًا أن تحظى بهذا الصدى الكبير، أو أن تلقى هذا القدر من الإعجاب. دخلت هذه التجربة بحماس وخوف في آنٍ واحد، لكن الحقيقة أن الرواية استغرقت مني وقتًا وجهدًا وتفكيرًا كبيرًا، وبذلت فيها الكثير من التعب الصادق، وقد جاء نجاح الرواية كتعويض أضعافًا مضاعفة عن كل ما بذلته، وجعلني أنسى كل لحظة إرهاق مررت بها أثناء الكتابة. “جرح صبا” كانت تجربة متميزة من جميع الجوانب، وأعتقد أنها السبب الحقيقي في بروز اسم “حور طه” وتقديمها للقارئ بالشكل اللائق. أظن أن نجاحها جاء لأنها خرجت عن النمط التقليدي الذي كانت تتبعه معظم الكاتبات في ذلك الوقت، سواء في الصياغة أو الطرح أو حتى في تفاصيل الشخصيات، مما جعلها عملًا مميزًا في وسط الزحام، وأشعر القارئ بأنه أمام تجربة مختلفة تستحق الاستمرار.

 

– روايتك الورقية “كامري” لفتت انتباه العديد من القرّاء في معرض القاهرة 2025. هل تودين الحديث عن فكرتها الأساسية؟

“كامري” هي رواية غامضة تمزج بين الخيال والرعب النفسي، وفي الوقت ذاته تغوص في أعماق النفس البشرية. تحكي عن شخصيات تحاول فك ألغاز من الماضي واسترجاع أشياء ضاعت منها.

تبدأ الرواية بورقة وتاج غامض يصلان إلى بطلتها، وكان بهما رموز مألوفة بالنسبة لها، لتبدأ سلسلة من الأحداث التي تفتح أبوابًا مغلقة، وتكشف أسرارًا دُفنت منذ زمن بعيد. من خلال أسلوب سردي مشوّق ومليء بالتوتر، حاولت رسم عالمٍ موازٍ لعالمنا، يواجه فيه الأبطال مخاوفهم، ويستعيدون قواهم وسط خطر يهددهم، لكن “كامري” ليست مجرد قصة رعب أو غموض، بل هي أيضًا رحلة نفسية تناقش الصراعات الداخلية التي قد يعيشها كل منا حين نواجه المجهول.

 

– ما الذي ميّز “كامري” عن بقية أعمالك؟ وهل تعتبرينها نقلة نوعية في مسيرتك؟

ما يميز “كامري” عن باقي أعمالي هو أنها كانت المرة الأولى التي أكتب فيها في هذا النوع، فهو ليس نمطًا معتادًا بالنسبة لي. خوض تجربة الخيال والرعب النفسي كان خطوة جديدة ومثيرة، وإن كانت مخيفة بعض الشيء، لكنها كانت مغامرة ممتعة بالفعل. وأعتقد أن الخروج عن المسار المألوف يتطلب شجاعة، والحمد لله استطعت أن أخوض هذه التجربة، وأكتب قصة متكاملة نالت إعجاب الكثير من القراء. أستطيع القول إن “كامري” كانت نقلة نوعية في مسيرتي، وقدّمت جانبًا مختلفًا من “حور طه” لم يكن يعرفه القارئ من قبل.

 

– هل استعنتِ بخبرات شخصية أو أحداث واقعية أثناء كتابة الرواية؟

لا، في الحقيقة الرواية كانت بالكامل من نسج خيالي. كما ذكرت سابقًا، هذا النوع كان جديدًا عليّ تمامًا، ولم يكن مستوحى من أحداث واقعية أو تجارب شخصية. اعتمدت على خيالي فقط، وحاولت بناء عالم غامض ومختلف يعيش فيه القارئ من أول صفحة حتى السطر الأخير.

 

– كيف كانت ردود أفعال القرّاء والنقاد بعد صدور الرواية؟

 

أنا دائمًا أحترم جميع ردود الأفعال، سواء كانت إيجابية أو سلبية. أي عمل يُعرض للنقد، وهذا أمر طبيعي، وأرحّب به لأنه يُظهر لي جوانب قد لا أراها في كتابتي. وصلتني تعليقات من بعض القرّاء تثني على الفكرة وقوة القصة، بينما رأى البعض أنني أطلت في بعض الأحداث أو كرّرت بعض المشاهد. ردي على ذلك أن شعور التكرار قد يكون ناتجًا عن أسلوبي في السرد، إذ أحب أن أمنح الحوار حقه الكامل لتوصيل المعنى، مما قد يجعل بعض المشاهد تبدو أطول، في المقابل، تلقيت آراء إيجابية كثيرة، إذ رأى البعض أن الرواية كانت تجربة شيّقة، وأن الأسلوب جذبهم لعالم “كامري” من البداية حتى النهاية.

 

– لا بد أنك واجهتِ تحديات في مسيرتك. ما هي أصعب لحظة مررتِ بها، وكيف تجاوزتها؟

 

بلا شك، يواجه كل كاتب صعوبات، سواء على الصعيد الفكري أو الاجتماعي. بالنسبة لي، كانت من أصعب اللحظات تلك التي نشرت فيها أول جزء من كتابتي على وسائل التواصل، وتم رفضه، وقيل لي إنه يحتاج لإعادة صياغة كاملة ليكون مقبولًا للجمهور. كانت لحظة صعبة، خصوصًا في بداية الطريق، حيث لا تكون الثقة في القلم قد ترسّخت بعد. لم أكن قوية وقتها، بل تأثرت كثيرًا، لكنني لم أستسلم. أمسكت بالقلم مجددًا، وقررت أن أكتب وأنشر من جديد، وقلت لنفسي: “سأنجح”، وبحمد الله نجحت فعلًا. وهذا هو الدرس الذي أكرّره دائمًا لنفسي ولأي كاتب: لا تترك قلمك تحت رحمة تقييم أي قارئ، فليس كل قارئ قادرًا على فهم ما تكتبه، أو إدراك الرسالة التي تحاول إيصالها. ولهذا أكتب لنفسي أولًا، وأثق أن ما يخرج من قلبي سيصل لمن يستحقه.

 

– هل مرت بك لحظة شعرتِ فيها بالرغبة في التوقف عن الكتابة؟ وما الذي أعاد إليك الشغف من جديد؟

نعم، مررت بلحظات توقفت فيها عن الكتابة، ولم يكن ذلك مرة أو مرتين فقط، بل كثيرًا. فالكتابة ليست مجرد مهارة تمارس في أي وقت، بل هي موهبة وشغف وحالة نفسية تحتاج إلى التهيئة. ككاتبة، أحتاج إلى تهيئة الجو المحيط بي لأتمكن من الكتابة. أكثر ما يساعدني على استعادة الشغف هو الاستماع إلى موسيقى هادئة، وشرب فنجان قهوة على “الريحة”، ليس للكتابة المباشرة، بل لتصفية ذهني وخلق مساحة للتفكير.أنا لا أكتب لمجرد الرغبة في الكتابة، بل لا بد أن تتكوّن الفكرة في ذهني أولًا، وتتخمر وتستقر، ثم أُخرجها من خيالي إلى الورق كما هي، من دون تزييف أو ضغط.

 

– هل ترين أن الدعم الأدبي للكاتبات في العالم العربي كافٍ؟ أم لا يزال الطريق يحتاج إلى مزيد من التمهيد؟

 

ربما في البداية لم يكن هناك دعم كافٍ، وقد عانت الكاتبات الكبيرات كثيرًا لإثبات أنفسهن والعثور على مساحة يُسمَع فيها صوتهن. ولكن في وقتنا الحاضر تغيّرت الأمور كثيرًا. أصبح لدينا أداة قوية مكنتنا من الوصول إلى شريحة واسعة من القرّاء ولمع اسمنا في وقت قياسي، وهذه الأداة هي الإعلام. وسائل التواصل الاجتماعي تحديدًا فتحت أبوابًا كانت مغلقة، وسهّلت على كل من يمتلك الموهبة أن يخرج إلى النور ويصل إلى الناس دون شروط أو وسطاء، وهذا فرقٌ كبير عمّا كان سابقًا.

 

– من هو جمهور حور طه الحقيقي؟ وهل تكتبين دائمًا وفي ذهنك القارئ؟

 

ربما لا أستطيع أن أقول إن جمهوري عريض جدًا، لأن النوع الأدبي الذي أكتبه ليس جماهيريًا بالمعنى المتعارف عليه، ولكنه جمهور نقي ومخلص، وهذا بحد ذاته كنز. من يقرأ أعمالي أعتبره من نخبة القرّاء، وليس من باب الغرور أو التقليل من أي كاتب أو كاتبة، بل لأنني أرى أن اللون الأدبي الذي أقدمه لا يزال جديدًا ومختلفًا، ولا يزال الناس يتعرفون عليه ويتعودون عليه مع الوقت. أما عن فكرة أنني أكتب وفي ذهني صورة القارئ، فالحقيقة أنني لا أفعل ذلك. أنا أكتب لنفسي أولاً وقبل أي أحد، لأن الكتابة بالنسبة لي ليست وسيلة لإرضاء الناس، بل وسيلة للتعبير عن ذاتي، عن أفكاري ومشاعري. وعندما أكون صادقة مع نفسي في الكتابة، أصل إلى القارئ تلقائيًا دون الحاجة لأن أفكر في إرضائه أو أكتب له حسب الطلب.

 

– هل هناك عمل جديد تعملين عليه حاليًا؟ وهل يمكن أن تعطينا لمحة بسيطة عن مشروعك القادم؟

نعم، أعمل حاليًا على عمل جديد تختلف فكرته كليًا عمّا قدمته سابقًا. تدور الرواية حول صراعات نفسية وعاطفية متشابكة، وكل صراع منها له نكهته الخاصة وفكرته المميزة. أحاول من خلالها إيصال مشاعر مركبة وأعماق إنسانية يمكن لكل قارئ أن يجد نفسه فيها أو يتفاعل معها بطريقة شخصية. أتمنى أن تلامس القلوب وتصل إلى الناس بالمعنى الحقيقي الذي أسعى لتقديمه من خلال كل شخصية وكل موقف.

 

 

– ما هو حلمك في المستقبل؟ وهل تفكرين في خوض تجربة خارج إطار الرواية ككتابة السيناريو أو أدب الأطفال؟

بالتأكيد، مثل أي كاتبة أحلم بأن أُطوّر من نفسي ومن كتابتي بمرور الوقت، وأن أصل إلى قلوب عدد أكبر من القرّاء. ومن بين أحلامي أيضًا أن أخرج من إطار الرواية وأخوض تجربة كتابة السيناريو، لكنني أؤمن أن هذه الخطوة تحتاج إلى استعداد كبير ومسؤولية أكبر. ولهذا، إذا قررت اتخاذ هذه الخطوة، يجب أن أكون مستعدة تمامًا لها، وقادرة على تقديم عمل يليق بالجمهور ويصل إليهم بالشكل الذي يُرضيني أنا أولًا قبل أي أحد.

 

 

– ما هي أكثر جملة كتبتيها في أعمالك وشعرتِ بأنها تُعبّر عنك شخصيًا؟

 

“لماذا فعلتَ بي ذلك؟”

ربما تبدو الجملة بسيطة جدًا، لكنها من أكثر الجمل التي أكتبها وتمسّني شخصيًا. تكررت في أكثر من عمل من أعمالي، وفي كل مرة أكتبها أشعر بأنها ليست مجرد جملة في سياق قصة، بل سؤال يخرج مني أنا أيضًا… سؤال أطرحه على نفسي، ولم أجد له إجابة حتى الآن. تأثيرها عليّ كبير، لأنها تلامس شيئًا داخليًا لا أستطيع دائمًا شرحه بالكلمات.

 

 

– إن أردتِ تقديم نصيحة لكاتبة شابة في بداية طريقها، فماذا ستقولين لها؟

 

أول نصيحة: لا تمسكي القلم لمجرد أنك ترغبين في الكتابة. فالكتابة ليست مجرد حروف على الورق، بل هي إحساس. كل كلمة تكتبينها يجب أن تحمل شعورًا صادقًا نابعًا من قلبك قبل عقلك، لقد قرأت لكُتّاب كثيرين، ووجدت أعمالًا كُتبت بعقل فقط، فقرأتُها دون أن أشعر بها، لأنها كانت بلا روح. وفي المقابل، هناك أعمال كل كلمة فيها كانت حقيقية، شعرتُ بها، وبقيتْ في داخلي. وهذا هو النوع الذي يعيش فعلًا، فنصيحتي لكل كاتبة: اكتبي بقلبك، واجعليه يسير إلى جانب عقلك دائمًا. وعندما تفعلين ذلك، ستخرج أعمالك مكتملة، جميلة، وتمسّ الناس. ونصيحة أخرى: اكتبي لنفسك أولًا قبل أن تكتبي لأي قارئ. إذا أرضتك الكلمة من الداخل، فستصل إلى من يقرؤها مهما كان.

 

– إن اختصرنا “حور طه” في كلمة واحدة.. ماذا ستكون؟

صادقة.

 

وبهذا نصل إلى ختام لقائنا مع الكاتبة حور طه، التي أضاءت لنا جوانب من رحلتها الأدبية وأفكارها الملهمة. نشكرها على وقتها، ونتمنى لها مزيدًا من النجاح والتألق.

حوار: آية طه واعر.