مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حوار خاص لمجلة إيڤرست الأدبية مع الكاتب د. عبدالعزيز آدم

 

 

حوار: د. رماح عبدالجليل

كاتبٌ من نوعية فريدة، كتاباته تحمل بين طياتها رسائل تعيد ما سلبته الحياة من الإنسانية، يرمم الذات بأحاديثه، حين كَتبْ لم يكتب فقط للكبار، كتب أيضًا للطفل وخاطب عقله ووجدانه، أحببنا طلته على الشاشة الصغيرة وحديثه الهادئ الذي ينم عن علم ووعي.

ضيفي اليوم هو المهندس”د. عبد العزيز آدم” وكان هذا الحوار المُطوّل الشيق معه، أهلًا بكم.

 

_ في البدء نود منك لو تعرّف القُراء بك.

”عبدالعزيز آدم” باحث ومتخصص في علم النفس السلوكي وعضو الإتحاد العالمي للصحة النفسية، روائي، وكاتب في أدب الطفل، كنتُ ضيفًا في العديد من البرامج في الإذاعة والتلفزيون ولي مقالات عديدة في الصحف القومية والخاصة.

نتشوق للحوار معك، دكتور” عبدالعزيز” رجلٌ موهوبٌ مثلك، كتبَ الشعر والرواية، وذو علم أيضًا وتمت استضافتك في العديد من البرامج التلفزيونية والإذاعية فيما يختص بمواضيع علم النفس والصحة النفسيه، وأصبحتَ مرجعًا لبعض البرامج.

_بين الأدب والصحة النفسية، أين تجد راحتك تحط رحالها؟

أجدُ نفسي في الأدب أكثر؛ لأنه الهواية التي تخرج مابداخلي من مشاعر وتعبّر عني أكثر.

أما علم النفس فهو وسيلة للتواصل مع الآخرين، لكن الرواية والكتابة الأدبية بشكل عام هي شيء يعبر عني، وهنا أتحدث عن الفرق بين ما أقدمه للمجتمع من حولي وهذا شيء تطوعي أفتخر به، وبين ما أقدمه لنفسي.

_هل تتفق معي في أن دارسي العلوم النفسية وسلوكيات الأشخاص أو أي من تلك العلوم التي تبحر في محاولة فهم الشخصية البشرية، أولئك الأشخاص إذا ما صاروا كُتابًا يكونون أقدر من غيرهم في فهم أبعاد شخصيات أبطالهم،هل تتفق؟

اتفق معكِ تمامًا؛ لأن دراسة علم النفس هي بالتبعية دراسة لأغوار النفس البشريه وتعقيداتها، الكاتب الناجح يجب أن تكون لديه الثقافة الكافية لتحديد معالم الشخصيات وبُعدها النفسي، ليس شرط أن يتخصص في علم النفس، لكن فقط يكفيه أن يمتلك معلومات ليصف أبطاله بطريقة دقيقة، كأنهم شخصيات حقيقية واقعية تكاد تقترب إلى الحقيقة إن لم تكن حقيقية تمامًا.

حتى حينما يتناول الكاتب شخصية حقيقية يجب أن تكون لديه الثقافة الكافيه لفهم النفس ويحللها لتنعكس تلك التحليلات على تلك الشخصيات.

في رأي المتواضع الكاتب الناجح يجب أن تكون له ثقافة في علم النفس، أما إن كان دارسًا وحاصل على درجة عالية فسيكون الأقدر، ولكن يجب التنويه والتنبيه هنا على أنه يجب أن يجمع بين الاثنين الموهبة والدراسة.

أجد بعض الكُتّاب يبالغون، فحينما يتحدث أحدهم عن الخير يصبغ صبغة ملائكية على بطله، وحينما يتحدث عن الشر يجعله شيطانًا، وهذا هو الفرق الذي أقصده.

_متى بدأت بكتابة الرواية؟

بدأتُ كتابة رواية في 2019، ونُشرت لي أول رواية في 2020 وكانت الحقيقة صدفة طيبة، فكنتُ أود أن أكتب كتابًا يتحدث عن علم النفس ويحكي عن كيف يصبح الإنسان إيجابيًا، وكيف يتغلب على مشاكله النفسية ويستنفر قوته الداخليه للتغلب على كل مايمر به من معضلات ومشاكل.

فوجدتني أكتب رواية فكان الأمر صدفة بحتة استَنْفَرَتْ لدي الحس الأدبي، فوجدتُ أن الرواية أستطيع أن أعبر بها عن علم النفس أكثر، فالرسائل التي أود إيصالها أحببتُ كتابتها في شكل أحداث وشخوص مشوقة للمتلقي.

_الشعر في حياة ”د. عبدالعزيز آدم” ماذا يمثل له؟ وحدثنا أكثر عن تجربة ديوانك”الرحلة والغروب”؟

ديوان ” الرحلة والغروب” من الأعمال المحببة لقلبي، أذكرُ أول قصيدة كتبتها كانت بعنوان” صديقي” كتبتها لصديق مقرب لي وكنتُ وقتها ابن عشرُ سنوات، هذه القصيدة لا أنساها فهي ادخلتني في عالم التعبير عن النفس جعلتني أعبر عن نفسي عن طريق الكتابات البسيطة والتي ما لبثت أن أخذت شكل أعمق بمرور السنين.

بدأت احتراف الشعر في سن الجامعة، ونشرتُ بعض القصائد في المجلات الجامعية في -كلية الهندسة جامعة أسيوط.

عندما بدأت أجمع أشعاري، عرضتها على دور النشر، وكان منهم “دار ابن رشد” وهي أحد الدور الجيدة حقيقةً، وهناك لديهم لجنة قالوا: هذا قلم جديد وهذا لون جديد من ألوان الشعر.

فالحقيقة أنا لا أتاثر بأي لون من ألوان الشعر سواء الحديث أو القديم، لأني أعتبر أن الشعر شخصية منفردة تعبر عن شخصية الشاعر. وكانت النتيجة أن أصبح لي لوني الخاص في الشعر.

لكن عزفتُ عن كتابة الشعر لاحقًا، فلم أجد الصدى المتوقع لعزوف المتلقي، لكن مازلتُ أكتب الشعر لكن ليس لدي النية لتجميعه في ديوان.

_ما الذي دفعك للكتابة في أدب الطفل!، هل لأن من يكتبون في هذا النوع الأدبي المهم هم قلة، أم أن هناك رسالة معينة تود قولها لأطفالنا؟

الكتابة في أدب الطفل من أجمل التجارب وامتعها، لأنكِ تحدثي هذا النشء البسيط الذي يحمل هذه العقلية الغضة البريئة التي لم تتلوث بتقلبات الدنيا.

اتجاهي الأساسي كان سببه تصحيح الكثير من المفاهيم المغلوطة في القصص الشهيرة، لذلك تجدي أغلب القصص التي كتبتُها إما خارج الصندوق كتفكير طفل يسافر عبر الزمن لاختراع أجهزة معينة لرؤية التاريخ من حوله، أو تناولتُ فيها العديد من القصص الشهيرة التي لوثت عقول الأطفال، تناولتها بالنقد باعادة الصياغة وليس بنقدها بأن أقول سيئة أو جيدة.

_هل لك أن تعطينا بعض الأمثلة؟

على سبيل المثال قصة علي بابا والأربعين حرامي، علي بابا عندما وجد الكنز استحل المال الحرام، وجعله كأنه رزق حلال وحمد الله عليه وهو مال مسروق! برأيكِ ما الرسالة التي نريد أن نوصلها لأبنائنا في قصة مثل هذه!!.

أيضًا قصة علاء الدين والمصباح السحري هي مدعاة للتواكل وانتظار المعجزات لتحقيق الأحلام.

فيجب تصحيح هذا الفكر في عقول ابناءنا لذلك تناولتُ هذه القصص بذات النسق التي هي عليه ولكن باعادة صياغة لها.

وأعتقد أنها انتشرت انتشارًا جيدًا، لاسيما قصة علي بابا الأمين والأربعين حرامي، وهناك العديد من القصص في هذه المجموعة.

_إذًا الدافع الأول هو حبك للكتابة في أدب الطفل، والدافع الثاني هو تصحيح المفاهيم وتعديل سلوكيات الأبناء من خلال هذه الاعمال الأدبية، د.”عبدالعزيز” السؤال الذي أطرحه على نفسي كثيرًا، هل أدب الطفل للطفل فحسب!، ولكن قبل أن تجيبني على هذا السؤال سأسألك سؤال أتى متأخرًا، ماذا نعني بأدب الطفل؟

سؤال جيد حقيقةً.

أدب الطفل؛ هو ذلك الأدب الذي يعني الطفل، حيثُ يكتب بأسلوب شيق جذاب، سلس، بسيط يصل بسهولة لعقول الأطفال والأهم من هذا كله يجب أن يحمل رسالة ويعزز أو يعدل سلوك معين.

كأن يعزز فكرة الصدق، الأمانة. ويعدل سلوك مثل الكذب، أوالعناد عند الطفل في تلك القصص البسيطة.

أما سؤالكِ عن أن أدب الطفل للطفل فقط فعن الأعمال التي كتبتها كان أدب الطفل يعني( الأسرة )وفي كل قصة تعقيب عن الرسالة المستفادة، فعندما يقرأها أولياء الأمور يجب أن يختبروا أبناءهم فيها ويسألونهم عما استفادوا من القصة.

_في سنة 2015صدر لك ديوان(الرحلة والغروب)، ومن بعدها توقفتَ عن النشر حتى العام2020 والذي أصدرتَ فيه روايتك ”نيكتوفيليا الحب والمجهول” سؤالي هو …ما سر هذا التوقف والفاصل الزمني هذا؟

كان الأمر بالنسبةِ لي هدنة ومرحلة بناء الذات مابين دراسة الدكتوراة والإنشغال في عملي كل تلك المشاغل حجبتني عن الكتابة ولكنها كانت إعداد لما هو قادم، وبالفعل في نهاية 2020 وبعد حصولي على الدكتوراه قبلها بعام بدأت الدخول بشكل مكثف في مجال الإعلام، وبعدها عدتُ للكتابة ولكن بشكل أكثر نضجًا وبطريقة يختلط فيها الحس الأدبي بدراستي في علم النفس.

_روايتيْ (نيكتوفيليا الحب والمجهول)، (فوبيا) من الاسم يتضح أنها روايات ذات طابع نفسي.. عن ماذا تتحدث؟

رواية”نيكتوفيليا الحب والمجهول” ورواية” فوبيا” و أيضًا الرواية الأخيرة” أشباح جزيرة ڤوينيش” جميعهم يتحدثوا عن جانب في علم النفس واعتبرهم من الروايات الأولى التي تتناول علم النفس من جانب القص.

لو تحدثنا عن ”نيكتوفيليا” فهذا خلل نفسي يحدث للإنسان نتيجة الضغوط التي يمر بها في حياته. والكلمة معناها(حبيس الظلام) في اشارة الى الشخص الذي يمارس حياته أكملها في الظلام ولا يستطيع مواجهة الأشخاص وليس له أي نشاطات خلال اليوم، هي نوع من أنواع الإنعزالية وهذه المشكلة كانت لدى بطل القصة وفيها الكثير من الجوانب الإنسانية، أما الرسالة التي أردتها فتكمن في استنفار القوة التى بداخلنا للتغلب على المشاكل النفسية.

أما”فوبيا” فتميل إلى جانب الرعب النفسي.

_هل رواية(أشباح جزيرة ڤوينتش) التى صدرت في هذا العام 2022، تنتمي الى كتابات الرعب ايضًا، ثم حدثنا أكثر عن هذا الاسم من أين جاء؟

ڤوينتش هذه هي مخطوطة حقيقية لها وجود وقد اكتشفتْ في القرن الثامن عشر ولكن لم يستطع أحد فك طلاسمها حتى أجهزة الكمبيوتر الحديثة التي تفك أعتى الشفرات لم تصل لأي معاني تتعلق بها.

فكانت تلك المخطوطة هي أحد الأسرار التي تدور حولها القصة التي حملت الكثير من الرسائل من بينها كيفية دمج الأطفال الذين يعانون من ”Autism” وهو التوحد وكيف يصيروا ناجحين، وكيف نتغلب على أشباح المجهول وأشباح هذا الخيال.

_إذًا فهي تنتمي إلى الرعب الذي يختلط بعلم النفس الذي يحمل هدف.

اسمح لي أن اسألك..هل البيئة التي فرضت نفسها عليك، ولربما أنت من اخترتها.. وأعني هنا الدراسة والعمل بالطبع، هل تشعر أحيانًا أنها تجبرك على الكتابة في أنواع محددة من الأدب، وهذا مدعاة إلى أن تكون كاتبٌ متخصص أكثر؟

دراسة علم النفس هي شغفي فرغم حصولي على الدكتوراة فيه إلا أني لا امتلك مركزًا، وعملي الأساسي هو الهندسة.

عندما اتجهتُ لدراسة الدكتوراة لم يكن ذلك متاحًا في مصر فسافرتُ خارجًا.

كان الدافع للكتابة هو شغفي في دراسة علم النفس لإثقال هذه الموهبة بالإضافة لتقديم يد العون والمساعدة لمن هم في حاجة إلى الدعم والعلاج النفسي من خلال البرامج في الإذاعة والتلفزيون او التواصل المباشر مع الحالات اون لاين.

_د.” عبدالعزيز”….ماذا عن الجانب الرومانسي في كتاباتك بما إن الرومانسية هي جزء من مسمى أشمل وهو العاطفة والتي هي جزء لا يتجزأ من التكوين النفسي أيضًا؟

الجانب الرومانسي هو أكثر جانب دافىء، فمن وجهة نظري المتواضعة.. الحياة من غير رومانسية هي حياة بلا طعم، قد تكون لدينا أهداف، ونجاحات لكن إن لم تختلط بالرومانسية والعاطفة فلن نشعر بقيمتها.

فالجانب الرومانسي هو الجانب الإنساني في كلٍ منّا، جانب مساعدة الآخرين، المحبة، التسامح، التصالح مع الذات، بالإضافة إلى الجانب العاطفي المعروف وهذا الامر بالنسبةِ لي هو مصدر الطاقة والعون للتغلب على المعضلات والمشكلات التي نمر بها يوما بعد يوم.

إذًا الجانب الرومانسي هو شحن للطاقة لدينا لنكون مقبلين على الحياة، وهو المعول الأساسي لبناء حياتنا بالشكل الذي نستمتع به حين الشعور بأي نجاح نصل إليه.

العاطفة هي جزء لا يتجزأ من الكاتب، وهي أيضًا جزء من أي إنسان لديه رسالة فهي جزء مختلط فينا، هي جانب إنساني لدينا، يمثل الرقة، الرأفة، المودة بيننا وبين من حولنا، ولا تجدي كاتب صادق في كتاباته ولديه رسالة إلا ويكون الجانب الرومانسي في أعلى مكانة ولديه قيمة كالحياة تمامًا.

_ماذا تعد لنا في الأيام القادمة، سواء الجانب الأدبي أو اللقاءات التلفزيونية التوعوية؟

ابدأ بالجانب الإعلامي والبرامج، فإني وهبتُ نفسي لتلك الرسالة وصاحب العلم يجب أن يخرج ماتعلمه، فأي برامج تلفزيونية او إذاعية إن لم تكن تتعارض مع انشغالاتي فإني ألبي الدعوة…حيثُ هناك العديد من البرامج التي أعددتُ لها الفترة القادمة وجميعها تتعلق بعلم النفس والسلوكيات التربوية، والأسرة، فهو عطاء مستمر أسعد به وأجد فيه نفسي، وبالنسبة لي هو ليس اضاعة وقت أو بحث عن شهرة.

أما الجانب الكتابي حقيقةً أفكر كثيرًا -وإن كنتُ مازلتُ مترددًا – في تأليف كتاب عن علم النفس وهذا الأمر وضعني في حيرة هل أبدأ في الكتاب أم في روايتي الرابعة.

لكن في العموم هذا الأمر أتركه لما بعد معرض الكتاب القادم وربما يكون هناك جديد.

_ختامًا توجه لك مجلتنا كل الشكر والتقدير على وقتك معنا، ونترك الكلمة الأخيرة لك… ماذا تقول؟

في الختام أشكركم على هذه الأسئلة المعدة بشكل احترافي جيد وسلسة في سردها تكاد تكون نسج واحد، ومعدة حقيقة بإتقان بشكل أسعدني كثيرًا وأخرَجَ الكثير من داخلي وكان فرصة طيبة للتحدث عن الجانب النفسي، الأدبي، والرومانسي لدي، أشكركم جميعًا.