مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حوار خاص لمجلة إيڤرست الأدبية مع الشاعرة الأردنية جمانة الطراونة

 

حوار: د.رماح عبدالجليل

(الشعراء الآن يخوضون معارك أكبر وأهم، يحملون القصيدة على عاتقهم، كل له معركته مع الحياة، وكل شاعر في الأصل فارس فالشعراء يمتطون صهوة الكلمة كما يمتطي الفارس جواده ففارس الكلمة وفارس الخيل صنوان يجتمعان بالرزانة والإباء وعزة النفس والشهامة والنبل).

هكذا جاءت تلك الكلمات من على لسانها لتجيب على إحدى الأسئلة بعد أن امتطت الخيل والكلمة معا وسافرت بنا بعيدًا.

سعدت مجلة إيڤرست الأدبية بإجراء هذا الحوار مع الشاعرة، الفارسة، المحامية (جمانة الطراونة) فأهلًا بكم.

في البدء هل لكِ بتعريف القارئ عنكِ في كلماتٍ قلائل؟

لا أجيد الحديث عن نفسي بقدر ما أجيد التعبير عن مكنون ما يدور فيها، لذلك أجد لي متنفسًا بالقصيدة، أجد نفسي أشبه بالقصيدة أشكّلها كيف أشاء، وكيفما أردت أن أكون، أطوف بها الكون على اتساع مداه.

منذُ متى وأنتِ تكتبين الشعر، وماهي أول قصيدة كتبتها؟

في طفولتي كنت دائما أميل إلى التفكير في كل ما حولي، وكنت مغرمة بربط الأحداث ببعضها البعض، واعطي للحواشي قيمة أكبر من الأحداث وهذا ما يصنع الفارق في كل شيء وكنت أميل إلى التأمل الدائم في كل ما حولي فكانت الأفكار التي تراود مخيلتي تحفزني للتعبير عن مكنون نفسي، وأول

محاولة لي في المرحلة الاعدادية وكنت أعرض ما أكتب على امي الناقدة الأولى لشعري.

في العصور القديمة كان هنالك ارتباط واضح بين الشعر العربي والفروسية، اكتسب الفارس من شعره الحماس، قوة الفعل، حسن اللفظ، شرف المعنى…كان من بين هؤلاء الشعراء(عمرو بن كلثوم، عنترة بن شداد، عروة بن الورد، أبو فراس الحمداني..) ونظموا كثيرًا من القصائد مشاهدها في ساحة الحرب.

الآن في هذا العصر تحديدًا من يخدم الآخر وقد اختلف الأمر، فما من حروب يخوضها الشاعر على ظهر فرسه، هل انعكست الآية كما يقولون وترين أن الفروسية باتت تخدم الشاعر أكثر، وماذا لو كان هذا الفارس امرأة؟

الشعراء الآن يخوضون معارك أكبر وأهم، يحملون القصيدة على عاتقهم، كل له معركته مع الحياة، وكل شاعر في الأصل فارس فالشعراء يمتطون صهوة الكلمة كما يمتطي الفارس جواده ففارس الكلمة وفارس الخيل صنوان يجتمعان بالرزانة والإباء وعزة النفس والشهامة والنبل.

والشاعر كما الفارس النبيل لا يصطنع هذه القيم إصطناعًا ولا يتكلفها تكلفًا، إنما تأتيه عفويةً خالصة، فمن تميز برجاحة العقل ورزانته وشرف النفس واستعفافها وطلاقة اللسان وصدقه وسعة الصدر وسلامة القلب كان ذا حظٍ عظيم.

الشاعر الفارس يمتلك من الشجاعة الكثير، لكن هل هذا الشاعر الذي بداخلكِ احيانا يخاف الاقتراب من نفسه ليكتبها على الملأ، ويفضل لبعض كتاباته أن تبقى حبيسة درجة؟

الشعر خطابٌ جماليٌّ يدعو للخروج من المألوف، والعادي، فهو خطاب رفض، ومشاكسة، وتمرّد، وفي ديواني الثالث( قصائد مشاغبة) تركت لجمانة الشاعرة الفارسة أن تظهر جزءا آخر من شخصيتها وكنتُ إلى قبل هذا الديوان أمنعها من الاقتراب منه.

الشعر قضيتي الأولى، أطلقه في فضاءات الروح واحلق به عاليًا، هو كائن حي يموت أن بقي حبيس الأدراج.

هل يمكنك أن تخبرينا عن بعض المواقف التى مرت بكِ وكان لها تأثير في عالمكِ الشعري؟

كتبت قصائدي بوحي الفطرة، وبقيت لسنوات أكتب دون أن أعرض نصوصي على شاعر يوجّهني، ويضعني على جادة الطريق، بل كنت أكتب الشعر، وأنشره بصفحتي بمواقع التواصل الاجتماعي وبدون اسم، ولم أكن أدري أن ما أكتب كان شعرًا جيدًا، أم غير ذلك، حتى رأيت نصوصي تنقل من صفحتي، وتنشر في صفحات أخرى يومها عرفت أنَّني أكتب شعرًا يستهوي الآخرين، فبدأت بنشره موقعًا باسمي، وبعدها أصدرت ثلاثة دواين شعرية هي (سنابك البلاغة) و(قبضة من أثر المجاز) والتي لاقت رواجًا كبيرًا واستحسانًا أكبر بعد أن نالت حظها من الدراسات النقدية لكبار أدباء ونقاد الوطن العربي، وترجمت بعض من قصائدها إلى اللغة الأسبانية البرتغالية والإيطالية وكنت سعيدة بنجاح تجربتي حيث طافت دوايني الوطن العربي عن طريق معارض الكتب الدولية.

”يقال أن شر الشعر ما سئل عن معناه”، هل تُسئلين أحيانًا عن بعض معاني قصائدك، وهل تفضلين الإجابة حينها ام السكوت؟

سأعود من حيث ابتدأت سؤالك الذي حوى الإجابة واحتواها فكان شافيًا كافيًا،” فشر الشعر ما سئل عن معناه”، فحتمًا سيقتل الشاعر نصه إذا فسره ويجعله جافًا جامدًا بوجه واحد فيكون بذلك قد وضع القصيدة على مقصلة الإعدام.

 

وبرأيي.. يحكم الشاعر على قصيدته بالموت فعليا إذا فسرها أو قام بشرحها فالشعر لا يحتمل التفسير أبدًا، وكلما اختلفت الرؤى والآراء حولها كلما نضجت أكثر وتنامت وازدهرت، وكما يقول الشاعر أدونيس ” الشعر هو نقيض الوضوح الذي يجعل القصيدة سطحًا بلا عمق وهو نقيض الايهام الذي يجعل من القصيدة كهفا مغلقا” الشعر بناء محكم وتفسيره يكون بمثابة المعول الذي سيهدم هذا البناء.

لماذا اخترتِ الكتابة بالفصحى تحديدًا؟

لم اعمد كتابة القصيدة بالفصحى فنحن لا نقرر كيف ستكون القصيدة وكيف سنكتبها بل هي الحكم والفيصل وهي من تكتبنا، وأعتقد سبب ميلي للكتابة بالفصحى هو تعلقي بلغة الإعجاز، لغة القرآن الكريم الذي جاء تحديًا لكل أساليب البلاغة والبيان، معجزًا لكل الفصحاء، إذنْ هو سقف البيان الأعلى وذروة سنام البلاغة وكم يحلم الشاعر أن يقترب من هذا المقام العلوي.

الشاعر بين أن يكتب عن القضايا التى تهم المجتمع وبين أن يعبر عن ذاته، هل هناك صراع في ذلك؟

إطلاقًا، هذا بالنسبة لي على الأقل وبرأيي أن الشاعر جزء لا يتجزأ من المجتمع والقضايا التي تهم المجتمع هي ذاتها القضايا التي تهمه ولا يمكن أن نفصل الشاعر عن محيطه الذي يعيش به فهو ابن بيئته أولًا وآخرًا.

في السابق كان الشعراء يحرصون على حضور الندوات الثقافية..

برأيكِ اليوم ومع سرعة الحياة،ضيق الوقت، وانفتاح الفضاء الافترضي، ومع قلة تلك الملتقيات هل وسائل التواصل عن بعد استطاعت أن تعوض هذا الغياب ولو قليلًا؟

بالتأكيد فوسائل التواصل الإجتماعي أحدثت فارقًا كبيرًا في هذا المجال، واعتبر أن الأجيال التي لحقت بركب هذه الوسائل أكثر حظًا ممن سبقوهم إذ أن القصيدة أو أي منتج أدبي قد يطوف العالم خلال ثواني فقط بكبسة زر، إلا أنه سلاح ذو حدين ولابد أن يكون الشاعر أكثر وعيًا في تعاطيه معها.

التغني بالشعر الفصيح هل ساهم في تطور الشعر واحيائه وتوصيله للناس حتى البسطاء منهم؟ ولدينا أمثلة كثيرة كصوت أم كلثوم في غناء بعض الكلمات الفصيحة، وصوت كاظم الساهر. . كيف تنظرين إلى هذا الدمج ودوره في تطور الشعر؟

بداية سأشير إلى قول العرب قديمًا بأن “مقود الشعر الغناء” والشعر منذ القدم ارتبط ارتباطًا وثيقا بالغناء، والنفس تأنس للإيقاع وتطرب له ولا شك بأن غناء القصيدة باللغة العربية الفصحى يناغم ويداعب ذائقة المتلقي الجمالية وهناك الكثير من القصائد التي كتب لها الخلود في ذاكرتنا بعد أن وصلت إلينا مغناه.

هل للشاعر طقوس معينة يلجأ إليها حتى يكتب نصًا فخيمًا؟

لا يوجد في قاموسي ما يسمى بطقوس كتابة الشعر، فالفكرة عندما تدق ناقوس مخيلتي تراوغني واراوغها تبتعد فاقترب إلى أن تدني مني فاتلقفها اينما كنت في وسط الزحام أو في خلوتي ،بين الناس أو في وحدتي، لا وقت لها ولا حتى مساحة.

هل كتبتِ أجناس أدبية أخرى غير الشعر؟

للآن لم أكتب الا الشعر.

ماهي القصيدة التي كتبتها ثم أصبحت المحببة لديكِ أكثر من الأخريات، ولماذا؟

لا توجد قصيدة معينة محببة لدي أو أفضلها على غيرها فكلها بنات أفكاري لا أفرق بينهما، لكني أميل إلى القصائد الفلسفية حيث استطيع أن أورّي بها أكثر من غيرها ما لااستطيع البوح به.

نود أن تقرأ لكِ إحدى القصائد، ماذا عن ”قبضة من أثر المجاز”..

قبضةٌ مِنْ أثرِ المجاز

اليومَ أدحضُ كذبةَ القمصانِ

وأقولُ عنْ ذئبِ الحكايةِ جاني

لم يعوِ إلّا أنّ ثمّةَ هاجساً

للغدرِ دارَ بخاطرِ الإنسانِ

لم يرجَع الإخوانُ ، والدُهم عفى

والطفلُ بين الصدقِ والبهتانِ

الجبُّ موجودٌ ومَنْ مروا بهِ

كانوا / كما يبدو /مِنَ العُميانِ

تركوا الدلاءَ معلّقاتٍ في السُدى

واستسلموا لغوايةِ النسيانِ

ماتوا عَطاشى ! مَنْ سيحملُ وزرَهم

والماءُ لم يَرْجِعْ عنِ النُّكرانِ

و عزيزُ مِصرَ وكلُّ مصرٍ تحتفي

بعزيزِها شكلٌ مِنَ الهذيانِ

القصرُ مرصودٌ ، زليخةُ فتنةٌ

والسجنُ متروكٌ بلا سجّانِ

سكّينُ مَنْ قطّعنَ آخرُ مجرمٍ

ودمُ العذراى شاهدُ الحرمانِ

سبْعٌ عِجافٌ وانتهتْ أحلامُنا

مِنْ دونِ سبْعٍ أخرياتِ سِمانِ

والطيرُ تأكلُ مِنْ جماجِمِنا فلا

خبزٌ نردُّ بهِ أذى الغِربانِ

لم نعصرِ الأعنابَ ظلّ يقينُنا

أنّ الكرومَ تميمةُ الشيطانِ

الحنطةُ احترقتْ وسدَّ دُخانُها

عينَ السماءِ بدونِما نيرانِ

فتسيّد الجَوعَى وما مِنْ مُتخَمٍ

إلّا ونالَ عقابَهُ الربّاني

وإلى هنا أجملتُ لكنْ في دمي

بدأتْ خيولُ الشعرِ بالجريانِ

حاولتُ أَعقُلَها فخانتني يدي

وعزيمتي خسِرتْ أمامَ حصاني

فشِلتْ محاولتي لخلقِ طريقةٍ

تُفضي لفصْلِ البحرِ عنْ شُطآني

وأنا أورّي فالحقيقةُ لم تعدْ

تَكفيْ لأبلُغَ ذُروةَ الإيمانِ

وعلى النصوصِ القانياتِ دمُ الرّؤى

يُجرى بطرْفِ شقائق النعمانِ

كفّانِ ما قدرَ الزمانُ عليهما

تدميهُما سكّينةُ الأوزانِ

وأصابعٌ للشمسِ في تأويلِها

قولٌ كأنّ الفجرَ رهنُ بَناني

كان الرهانُ على البديعِ يُثيرُني

حتّى خسرتُ معَ الجناسِ رِهاني

فرجعتُ مِنْ أَثرِ المجازِ بقبضةٍ

ألقتْ بكفّي في جحيمِ لساني !

والمعبدُ الشعريُّ فوقَ رجالهِ

يهوي فمنْ يبكي على الرهبانِ ؟!

سأعودُ أدراجي لأوّلِ نقطةٍ

شعريّةٍ وأحُلُّ لغزَ بياني !

بهذه الأبيات الشعرية نصل لنهاية حوارنا، وفي ختامه ندع لك الكلمة الأخيرة فماذا تقولين لمجلة إيڤرست الأدبية؟

أتوجه بجزيل الشكر للسادة مجلة إيڤرست ولكل القائمين عليها، ذلك المنبر الإعلامي والثقافي الذي نعتز به ونفتخر، متمنية لكم مزيدًا من التوفيق والتألق.