كتبت: عفو رمضان
اليوم الأول
في الصباح، استيقظت هاجر وقامت بمهامها اليومية كالعادة، حيث أخذت حقيبتها، وغادرت المنزل متوجهة إلى مدرستها الثانوية. تحت المنزل، كانت هناك حديقة صغيرة مفتوحة للاستخدام العام. كان هناك مقعد وحيد في أطراف الحديقة الذي كانت تتوقف أمامه الحافلة، وكانت تجلس عليه الفتاة يوميا بمفردها كالعادة، ولم تكن تتوقع يوما ما أن يشاركها شخص آخر هذا المقعد. عندما وصلت هاجر إلى تلك المقعد اليوم، وجدت شابًا وسيمًا جالسًا عليه. سحبت بعض الحبوب من جيبها، ونثرتها بجوارها على رصيف الشارع. جلب البعض من الحمام لها، وكانت تستمتع باللعب معها، تقفز بسرور كأنها تحلق في السماء وشعرها يتراقص مع حركتها، كانت لحظات جميلة حقاً. انزلقت قدماها عن الرصيف عند وصول الحافلة، وكادت تدهسها الحافلة لولا تدخل الشاب الذي ساعدها وأمسك بيديها. وجذبها أعلى الرصيف، فأنقذها من الحافلة، ونظر كل منهما للآخر، وبلا شعور وجدوا أنفسهم متقاربين ومتشابكين الأيدي، وكان الشاب يحاوط خصرها ليحميها بيده الأخرى، ثم رتب شعرها بأنامله ليزيله عن وجهها. سألها بقلق هل تأزيتين؟ وأخذ يتفحصها ليطمئن عليها، فقالت له لا لا أنا بخير، فصعدت الحافلة دون الانتباه لحقيبتها، فتورّد وجهها من الخجل والارتباك عندما التفتت نحو الشاب الذي صعد بعدها، فوجدته هو الشاب نفسه الذي أنقذها، ومن شدة ارتباكها لم تتذكر حقيبتها، برغم من أنه كان يحملها، حتى وصلت الحافلة إلى المدرسة، فنظرت هاجر إلى جانبها لتأخذ حقيبتها، ولكن لم تجدها. بدأت تبحث بسرعة وقلق وانزعاج يمينا يسارا، ثم وقفت مرتبكة، ووضعت يدها على الكرسي، وهي تحاول التركيز هنا وهناك، فقام واقترب الشاب منها، وكان يحمل حقيبتها بين يديه. فراح يلف يديه حولها، ثم وضع الحقيبة بلطف على كتفيها، وشدّ حزام حقيبتها حول خصرها بثبات، وأزال شعرها برقة من حول الحقيبة وهي مستسلمة لما يحدث لا حراك لها. فوضع يده على يدها قائلا ها هي المدرسة هل ستنزلين فنظرت من النافذة، فوجدت المدرسة فقالت بارتباك: بالطبع بالطبع سأنزل شكرا لك على إنقاذي وحملك لحقيبتي كل تلك المسافة أنا آسفتا حقا فلم أرها، فما أدري ما الذي دهاني اليوم، ثم نزلت من الحافلة، ودخلت مدرستها وظلت تفكر فيه حتى انتهى اليوم الدراسي، وكان مرسوماً على ملامح وجهها لأول مرة السعادة والراحة طوال اليوم، ولكن حينما خرجت من المدرسة، فكان ما ينتظرها بالخارج بهجاء، ومن معها فقالت لمن معها؟ هل تعلمين ما يزعجني اليوم فأجابت؟ من معها قائلة ما يزعجك اليوم هو ما يزعجنا جميعا هي تلك السعادة المرسومة على ملامح هاجر أليس كذلك، فقالت بهجاء وما نفعل حيال ذلك الأمر، فنظرت بجوارها فوجدت فتاة ترمي بزجاجة حليب، فقالت لها لماذا ترمين بها؟ فردت الفتاة قائلة إنها فاسدتا تماما، فردت عليها بهجاء قائلة: فاسدة فسترمي بيها هكذا في الشارع لا أنا سآخذها، وأتصرف بيها بالشكل اللائق، ونظرت لمن حولها، وابتسمت ابتسامة فيها دهاء، وبادلوها الابتسامة نفسها من كان معها من تلميذات مشاغبات، ثم فتحت بهجاء الزجاجة، وانتظرت حتى اقتربت منها هاجر، ثم رفعت يديها كي تسكب عليها الحليب الفاسد، ولكن ظهر ذلك الشاب، واحتضن هاجر كي لا تصيبها قطرة واحدة من الحليب الفاسد، ولكن انسكب كل الحليب الفاسد على كتفه هو، فبللت ملابسه بالكامل، ثم نظر إلى بهجاء نظرة مرعبة فيها تحذير، وهذا ما أرعبها فكانت هذه أول مرة ترى أحداً يقف بينها وبين هاجر، فانصرفت هي وأتباعها، وهذا ما جعل أعين هاجر تتسع من هول ما فعله ذلك الشاب، فاعتذرت مرة أخرى له، فقال لها لا عليك، فكان يجب عليها هي الاعتذار، وفي ذلك الوقت وصلت الحافلة، صعد الاثنان معًا، وجلسوا بجانب بعضهم، ثم سألته هاجر، ما الذي دفعك للظهور على نحو مفاجئ بيني وبين بهجاء هكذا؟ هل كنت متواجداً هنا صدفة؟ فقالت هذا بارتباك وهي لا تنظر إليه، وتمسك شعرها بأناملها لترتبه خلف أذنيها، فأمسك بيدها وقال لا أنا كنت أنتظرك خارج المدرسة، ثم لمس وجهها بأنامله برفق وأداره نحوه، ثم قال لا تتوتري وتفعلي ما تفعلينه وأنت تتكلمين معي، بل انظري إلى مباشرة، فنظرت إليه وعيناها متسعتين، ثم أكمل كلامه قائلا لها ألم تتعرفي علي ألم تعرفيني حقا، وفي تلك اللحظة وصلت الحافلة إلى منزل هاجر، فقالت له هذا منزلي سلام، ونزلت من الحافلة وقلبها يرتجف تكاد أن تسمع صوت دقاته، ودخلت منزلها ووجهها مشرقاً مبتسماً، وهي تدندن وتتراقص عندما رأتها أمها قالت لها: اليوم ملابسك نظيفة وشعرك مرتب وبالإضافة إلى هذا تدندنين فما الذي جد اليوم؟ ولكنها لم ترد على أمها، وصعدت السلم لتصل إلى غرفتها، وعند دخولها الغرفة، وجدت ذلك الشاب فيها، فصدمت وشعرت بالخوف، وكادت أن تصرخ، إلا أنه وضع يده على فمها، وباليد الأخرى أغلق الباب، واقترب منها حتى قرب فمه من أذنيها، ثم قال لها بصوت خافت لا تصرخي أنا حبيبك الذي أتى من عالم خيالك فلا تخافي ولا تحزني منذ تلك اللحظة، وظلت تنظر إليه بعينيها المتسعة باندهاش ولا حراك لها، وهنا طرق الباب
وإلى هنا ينتهي كلامنا اليوم، ولكن للأحداث بقية غدا.






بسم الله ما شاء الله
في انتظاره باقي الجزء