كتبت أسماء مجدي قرني:
كنت يومًا ملكًا لرجل يُحتذى به في أخلاقه وصفاته الكريمة، اسمه صابر. كان حقًا صابرًا، إنسانًا ملتزمًا دينيًا وأخلاقيًا ولا يترك صلاة. لم أكن له مجرد سيارة تنقله إلى مكان عمله، بل كنت مأوى دافئًا له في ليالي الشتاء الباردة. كان يتحدث معي دائمًا ويحكي لي كل ما يشغله. يقول لي: “لم يرزقني الله بأطفال، فأنتِ طفلتي. ولم أحظَ بأصدقاء، فأنتِ صديقتي”.
كنت رفيقته التي يصطحبها معه في كل مكان. أسماني “جوهرة”، ودائمًا ما أسمعه يقول لي: “أنتِ جوهرة ثمينة، تعني لي كل شيء”. عشت معه أجمل الذكريات التي لا يعرفها أحد غيري. كان يقودني وهو يستمع إلى القرآن الكريم بصوت قارئه المفضل. كنت أشعر بطمأنينة وسكينة تغمرني.
كان دائمًا يضع كتاب الله في داخلي. وكان يعود كل يوم من العمل ليذهب بي إلى بائع الورد ليشتري الكثير من الزهور. ثم يصطحبني إلى حديقة مطلة على البحر، حيث يحمل المكان ذكرياته الجميلة مع زوجته. هناك يفتح كتاب الله، ويقرأ القرآن بخشوع ويبكي ويهديه لروح زوجته، ثم يوزع الورود على كل من في المكان. وبعد ذلك يقودني عائدًا إلى منزله.
لقد اعتدت وجوده معي، والآن أفتقده. رحل وتركني وحيدة، وذهب إلى رب العالمين. توفي وهو بداخلي،في المكان الذي يذكره بالماضي الجميل مع زوجته.
حينها شعرت بالعجز، وكأنني مقيدة لا أستطيع التحرك. تألمت بشدة لرحيل رفيقي الذي كان يؤنسني دائمًا بحديثه. والآن، لا أستطيع أن أسمع صوته مرة أخرى.
ذهب بي شقيق صابر، سمعته وهو يقودني يقول: “أخي، لقد تركت لي سيارة قديمة ليس لها قيمة، لابد أن أبيعها وأتنفع بمالها”. حزنت لما سمعته، كنت أريد أن أخرجه من داخلي بقوة، ومن حسن حظه أنه شقيق صديق عمري، لذلك لم أؤذه.
مر أسبوعًا، وأصبحت ملكًا لشخص سيء. لقد باعني لصديقه تاجر مخدرات أنشأ بداخلي مخبأً سريًا يضع فيه المخدرات، ويجعلني وسيلة لنقل بضاعته. كل يوم كنت أبكي، لا أتحمل ما بداخلي. شعرت بشيء يؤلمني وظللت أفكر كيف أخرج هذا السم القاتل من داخلي. دعوت الله أن ينقذني من يد هذا المجرم. لا أريد أن أكون مساعدًا له في هذه الجريمة، أريد أن أحمي المجتمع من هذا الوباء الذي سيدمرهم.
صرخت بشدة، حتى سمعني الطريق وسألني: “ماذا بك؟”. حكيت له قصتي، وطلبت منه أن يساعدني، قلت له: “أنشئ مطبًا أمام كمين الشرطة ليوقف السيارة”. وبالفعل نفذ طلبي. رأيت غرابًا، طلبت منه أن يساعدني ويدخل بداخلي وينقر في المخبأ السري ليخرج المخدرات ليراها الشرطة. وبالفعل نفذ ذلك، وأخرج المخدرات، ورأتها الشرطة وتم القبض على المجرم. شكرت الله لأنه ساعدني، وسخر لي الطريق والغراب لينقذني من يد هذا المجرم.
أخبرني القلم الذي يسجل أقوال المتهم أنه تم التحقيق مع المجرم بخصوص السيارة، واتضح أنه ليس لديه ما يثبت أنه المالك الحقيقي، وأراد أن يبعد التهمة عنه. اعترف أن السيارة والمخدرات ملك صديقه، وقررت الشرطة حبس المتهم والتحفظ على السيارة.
ظللت في حوزة الشرطة. رأيت شقيق صابر في الدموع منهارًا وخائفًا، حزنت عليه. قلقت، وكنت خائفة من أن أقع مرة أخرى في يد شخص سيء آخر. ما جعلني مطمئنة هو أنني متأكدة أن الله معي، ولن يتركني. وأيضًا وجود كتاب الله معي الذي كان يقرأ فيه صديقي صابر، يشعرني بالأمان.
أخبرني القلم مرة أخرى بكل ما حدث. قال لي إن شقيق صابر اعترف للضابط وقال له: “هذه سيارة أخي، ورثتها عنه، ولكن بعتها له ولم أستلم ثمنها حتى الآن، ومازالت باسمي وملكيتي، ولم أكن أعلم أنه يتاجر في المخدرات، ولو كنت أعلم ذلك، لكنت ابتعدت عنه”.
مر شهرين، وشقيق صابر مازال في السجن. فكرت كيف أخرجه من هذا المأزق، فهو مظلوم، ولا بد أن أساعده. دعوت الله أن يدلني على حل.
فتذكرت حائط السجن، فاتفقت معه أن يقف بجانبي في هذا الموقف. قال لي: “لا تخافي، اطمئني، لدي حل سيجعل المتهم يعترف أن شقيق صابر بريء”. قلت له: “ما هو؟”، قال: “سأضمه لي ضمة شديدة تجعله يتألم حتى يعترف”. وفعل الحائط ذلك، بمساعدة الله، ضمه ضمة شديدة، وصرخ من شدة الألم. صرخ المجرم قائلاً لشقيق صابر: “أنقذني”. قالت الحائط: “لن يستطيع أن ينقذك إذا أردت أن أنقذك اعترف أمام الشرطة أنك المتهم، وأن صديقك بريء”. فقال له: “سأنفذ كل ما تقوله لي”. وعندما ابتعد الحائط عنه، غير كلامه وقال: “لست مجنونًا لأعترف على نفسي”. وفي نفس اللحظة ضمه الحائط مرة أخرى، بقوة من الله. صرخ وعلم أنه لا مفر من قول الحقيقة. فقال للحائط: “ابتعد عني، وأعدك سأقول الحقيقة هذه المرة”.
ابتعد الحائط عنه، واعترف أمام الشرطة أنه المتهم، وأن شقيق صابر بريء. تم الإفراج عن شقيق صابر، وإثبات براءته. قررت الشرطة تمديد العقوبة بالحبس المشدد للمتهم. أعطتني الشرطة لشقيق صابر، وظل يبكي ويحمد الله على خروجه من السجن.
وأثناء قيادتي وقف بي في مكان هادئ، وغلبه النوم، رأيت دفتر ذكريات صابر الذي كان يحتفظ به معي يتحرك من مكانه ويحدثني. قال لي: “بداخلي شيء مهم يجب أن يقرأه شقيق صابر”. فوقع من مكانه، قاصدًا أن يصدر صوتًا لكي يوقظه. فجأة، استيقظ ثم نظر إلى الأسفل فوجد دفترًا مفتوحًا على رسالة من أخيه:
“أخي العزيز، أعلم أنك الوريث لي بعد وفاتي. كل ما أملكه هو بيتي الصغير وسيارتي. لم يكتب الله لي الإنجاب، ولكن عوضني بسيارتي التي أشعر أنها قطعة مني. أَعتبرها ابنتي، أخاف عليها، لا أريد أن يصيبها شيء أو يأخذها أحد غيري. ولكن سأكون مطمئنًا وهي معك. لا تبيعها ولا تعطيها لأحد، اجعلها معك دائمًا، واصطحبها في كل مكان كما كنت أفعل. لا تتركها وحيدة، ولا تستعملها إلا في الخير”.
ظل يبكي وقال: “أنا آسف يا أخي، سامحني على كل ما صدر مني من أفعال مؤذية. لن أتخلى عن سيارتك مرة أخرى، ستظل معي دائمًا، وسأحافظ عليها”. أعدك من الآن ستكون ابنتي مثلما كانت ابنتك، ولن أسمح لأحد أن يأخذها مني. سأخصص يومًا في إجازتي لاستخدامها لتوصيل المحتاجين إلى أعمالهم بدون مقابل. هذه ستكون صدقة على روحك يا أخي الغالي”.
كنت سعيدة لسماع هذا، أشعرتني هذه اللحظة بالأمان، وكأن صابر بجانبي يبتسم لي، ويقول لي: “لا تخافي، أنا معك”.
فالحمد لله الذي أبعدني عن صحاب السوء. أنا الآن في أيدٍ أمينة. الإنسان الصالح لا يُنسى. تبقى ذكراه الحسنة مخلدة. فكن صادقًا أمينًا مخلصًا، وازرع الخير في حياتك لتحصده سيرة حسنة وذكرى طيبة بعد وفاتك.






المزيد
حين خان القلب: بقلم: بسملة عمرو
شئ منى لآ يصعد: بقلم:سعاد الصادق
سعادة تغمر القلب