د.محمود لطفي
في قلب الليل وفي الشارع المظلم بل قل حالك الظلام إلا من ضوء شديد الخفوت لمصباح عمود إنارة متهالك رأيتها بصعوبة تتحرك مجيئا وذهابا
بطول الشارع وعرضه وكانت تبدو كالغريق يبحث عن طوق نجاة افترشت رصيف أمام نافذتي ترتعد ولا ادري أكان ذلك من البرد والجوع؟ أم من الخوف من مجهول القى بها هنا ومجهول اخر تنتظره؟
وحين دققت فيها وجدتها طفلة بملابس رثة ممن قذفتهم الحياة من مؤخرتها ليس عبر رحمها كما سمعت أحدهم يستعمل ذلك التعبير عبر أثير موجات الراديو.
ومع برودة الطقس الينايري والظلام التهمني الخوف على مصير تلك البائسة فالذئاب البشرية من ناحية، وفتيات الليل من ناحية اخرى حيث إنها في تلك المرحلة العمرية التي تتحول فيها الطفلة تدريجيا للأنثى وقد ميزت ذلك حين الصقت وجهها بنافذتي الزجاجية في الدور الأرضي وكأنها تطلب مني يد العون ولكن لعنة الله على خوفي و جبني كعجوز يعيش وحيدا بالإضافة لما يقصه يوميا جاري الاستاذ عزيز من حكايات إغتيال وسرقة لمن هم في مثل حالتي ووصفه الدائم لهؤلاء المشردين بالقتلى والسارقين ….إلخ.
ومع نظرات التوسل في عيني البنت وارتعاد جسدها النحيل أقسمت أن احاول بكل ما أوتيت من قوة مقاومة خوفي وأن ارتدي ثوب الثقيل واتكيء على عصاي وأدخل تلك البائسة للمنزل اطعمها وفي الصباح فلتذهب لحالها وتذكرت مقولة جاري الآخر استاذ نعيم ( لا تدري اي ثواب يدخلك الجنة؟)
تحركت بصعوبة معتمدا على عصاي وصعوبة أكثر نزلت خمس درجات تفصلني عن الشارع و بصعوبة بالغة احاول ببصري البحث عن الصغيرة دون جدوى.
مرت ثلاث دقائق أصابني الملل وقلت لنفسي ربما سبقني أحدهم وقررت ان اعاود لشقتي بخفي حنين، وما إن اقتربت من وضع مفتاح الشقة في الباب حتى شعرت بوغزة من تلك الآلة الحادة في جانبي الأيسر ومن هول الصدمة لم أستطع حتى الصراخ للاستغاثة وايقنت حينها أن الصغيرة لم تكن سوى طعم وان هناك من يستخدمها لكسب تعاطف المغفلين أمثالي ثم يقوم بفعله وقد نجحت نصف خطته باقتدار.
لكن ما لم يكن يعلمه الغبي أن أحاديث الاستاذ عزيز جعلتني احتاط ولا يوجد بالشقة شيء ثمين وما زاد الطين بلاء على رأس الأحمق اجادتي للتمثيل لذا فقد قمت بإسقاط نفسي كان الخوف والصدمة مما جعله يضطرب وقد ظن غالبا إنني انتقلت للدار الأخرى او دخلت في غيبوبة.
ولقد راقبته ولا ادري هل أضحك على ما أصابه ام اشكر استاذ عزيز ام اتألم من فرط قوة ركلته لجانبي وهو يلعن الصغيرة ويسبها بأمها ويركلها غضبا في محاولة لإخراج غضبه وثورته وهو خارج من شقتي بخفي حنين قبل أن يركلني مرة اخيرة ويبصق على وجهي ورغم كل ما حدث في تلك الليلة سألت نفسي هل استحق أن يكون جزائي جزاء سنمار ؟ أم أن ذلك لا يعدو نداء لاعادة غفير البناية الذي تشاجرت معه وتسببت في طرده ؟
عامة ساجتمع بعزيز ونعيم في الصباح فربما كان لهم رأي آخر.






المزيد
السند الحقيقي بقلم الكاتبة إسراء حسن عبدالله
الأمانة أجمل
يوم النجاح