مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ما يستحق أن ننجو من أجله بقلم الكاتب هانى الميهى

ما يستحق أن ننجو من أجله
الكاتب هانى الميهى

الفصل الأخير
بعد كل هذه السنوات…

أصبحت أنظر إلى الحياة بطريقة مختلفة.

لم أعد أسأل:

كم ربحت؟

ولا:

كم خسرت؟

ولا:

كم شخصًا بقي معي؟

أصبحت أسأل سؤالًا واحدًا فقط:

ماذا بقي مني أنا؟


فالحياة ليست مسابقة.

ليست سباقًا طويلًا يفوز فيه الأسرع.

وليست قائمة من الإنجازات نعلقها على الجدران.

الحياة شيء أكثر بساطة…

وأكثر تعقيدًا أيضًا.

أن تستيقظ وقلبك خفيف.

أن تجد شخصًا تحكي له خوفك دون خجل.

أن تنظر إلى المرآة…

ولا تشعر أنك غريب عن نفسك.


قضيت سنوات أظن أن النجاة هي ألا أسقط.

ثم اكتشفت أنني كنت مخطئًا.

فالنجاة ليست أن تعبر الحياة بلا خسائر.

هذا مستحيل.

كل إنسان سيدفع ثمنًا ما.

هناك من يدفع حلمًا.

ومن يدفع حبًا.

ومن يدفع سنوات من عمره.

ومن يدفع جزءًا من قلبه.

لكن السؤال الحقيقي ليس:

ماذا خسرت؟

السؤال هو:

هل كان ما بقي منك يستحق كل هذا الثمن؟


رأيت أناسًا ربحوا كل شيء…

وخسروا أنفسهم.

ورأيت آخرين خسروا كثيرًا…

لكنهم احتفظوا بقلوبهم كما هي.

يعرفون كيف يحبون.

وكيف يفرحون.

وكيف يبدأون من جديد.

وهؤلاء…

هم الناجون الحقيقيون.


النجاة ليست أن تصبح أقسى.

ولا أن تغلق أبواب قلبك.

ولا أن تخاف من كل شيء حتى لا تتألم.

النجاة…

أن يبقى داخلك مكان للدهشة.

أن تصدق أن الغد قد يحمل شيئًا جميلًا.

أن ترى قسوة العالم…

ولا تتحول إلى نسخة منه.


أعرف أن الحياة متعبة.

وأعرف أن بعض الجراح لا تختفي.

وأن هناك أحلامًا لن تعود.

وأشخاصًا لن يعودوا.

وأيامًا جميلة انتهت إلى الأبد.

لكنني أعرف شيئًا آخر أيضًا.

أن الإنسان أقوى مما يظن.

وأن القلب…

رغم كل ما ينكسر فيه،

يعرف كيف يزهر مرة أخرى.


لا تبحث عن حياة كاملة.

فلن تجدها.

ولا تبحث عن طريق بلا خسائر.

فلن يوجد.

ابحث فقط عن الأشياء التي تستحق أن تتعب من أجلها.

عن الأشخاص الذين يمنحون روحك سلامًا.

عن عمل يجعلك تشعر أنك حي.

عن لحظة صادقة وسط هذا الضجيج.

عن نفسك…

ولا تسمح للحياة أن تأخذها منك.


في النهاية…

لن نتذكر كم كان في حساباتنا.

ولا كم شخصًا تابعنا.

ولا كم مرة انتصرنا.

سنتذكر شيئًا واحدًا فقط.

هل عشنا حقًا؟

هل أحببنا بصدق؟

هل سامحنا أنفسنا؟

هل احتفظنا بإنسانيتنا وسط كل ما فقدناه؟


هذا الكتاب لم يُكتب ليخبرك أن الحياة سهلة.

ولا ليقنعك أن الألم جميل.

بل كُتب ليقول لك:

إنك لست وحدك.

وأن كل ما شعرت به يومًا…

شعر به إنسان آخر قبلك.

وخاف منه.

وبكى بسببه.

ثم أكمل طريقه.


إذا خرجت من هذه الصفحات بشيء واحد…

فليكن هذا:

لا تجعل النجاة هدف حياتك.

فالإنسان لا يُخلق فقط كي ينجو…

بل يُخلق كي يحب،

ويحلم،

ويخطئ،

ويغفر،

ويبدأ من جديد،

ثم يترك خلفه أثرًا طيبًا…

يدل على أنه كان هنا يومًا.


الكلمة الأخيرة

بعض الناس ينجون بأجسادهم…

وبعضهم ينجون بأموالهم…

أما النجاة الحقيقية،

فهي أن تمر بكل ما مررت به،

ثم تنظر إلى قلبك بعد كل هذه السنوات،

فتجده…

ما زال قادرًا على الحب.