جحيم يوم قاسي
بقلم الكاتبة صافيناز عمر
كانَتْ تظنُّ أنَّ الزواجَ بدايةُ الحكايةِ التي طالما نسجتْ خيوطَها في خيالِها؛ حكايةً يجيءُ فيها رجلٌ يشبهُ الأبطالَ الذين سكنوا أحلامَ الصبا، يحملُ في ملامحِه معنى الأمان، وفي صوتِه طمأنينةَ البيت، وفي يدِه دفءَ الاحتواء. كانت ترى فيه فارسَ أحلامِها، ذاك الذي سيحمي هشاشتَها من قسوةِ العالم، ويصونُ قلبَها من كلِّ ما قد يجرحُه. أحبَّته بكلِّ ما في الحبِّ من صفاء، ووهبتْه ثقتَها كما تُوهَبُ الأشياءُ الثمينةُ بلا تردُّد، معتقدةً أنَّ الحبَّ وحدَه كفيلٌ بأن يجعلَ الحياةَ أكثرَ رحمة.
لكنَّ اللحظةَ التي امتدَّتْ فيها يدُه عليها لم تكن مجرَّدَ لحظةِ ألمٍ عابر، بل كانت زلزالًا داخليًّا هدمَ عالمًا كاملًا بداخلِها. لم يكن الوجعُ في صفعةٍ تركتْ أثرَها على الوجه، ولا في ضربةٍ أوجعتِ الجسدَ؛ بل كان في ذلك الانكسارِ الصامتِ الذي أصابَ روحَها، في تلك الصدمةِ التي جعلتْها تحدِّقُ في وجهِه متسائلةً: من هذا؟ وكيف تحوَّلَ من صورةِ البطلِ التي رسمتْها في خيالِها إلى شخصٍ غريبٍ يحملُ القسوةَ ذاتَها التي كانت تستجيرُ به منها؟
إنَّ شعورَ المرأةِ التي يضربُها زوجُها ليس ألمًا جسديًّا فحسب؛ إنَّه مزيجٌ مريرٌ من الخذلانِ والانكسارِ والدهشةِ المُهينة. هو إحساسٌ بأنَّ كلَّ الذكرياتِ الجميلةِ التي جمعتْهما قد تلطَّختْ فجأةً، وأنَّ الكلماتِ الحانيةَ التي قالها يومًا فقدتْ معناها، وصارتْ أشبهَ بأصداءِ كاذبةٍ تتردَّدُ في فضاءِ قلبِها الخاوي.
تشعرُ وكأنَّ الحبَّ الذي سكنَها قد تعرَّضَ للقتلِ على مهل؛ لا يموتُ دفعةً واحدة، بل يحتضرُ مع كلِّ إهانة، ومع كلِّ مرَّةٍ تُضطرُّ فيها إلى كتمانِ دموعِها، ومع كلِّ محاولةٍ منها لتبريرِ ما لا يُبرَّر. يتآكلُ ذلك الحبُّ كما تتآكلُ الأشياءُ الجميلةُ حين تُتركُ طويلًا تحتَ وطأةِ القسوة.
والأشدُّ قسوةً من الضربِ ذاته، هو سقوطُ صورةِ فارسِ الأحلام. تلك الصورةُ التي عاشتْ سنواتٍ تُزيِّنُها في مخيِّلتِها، تنهارُ في لحظةٍ واحدةٍ كقصرٍ من زجاج. وحين تتحطَّم، لا تجرحُها شظاياها فقط، بل تجرحُ معها قدرتَها على التصديق، على الثقة، وعلى الحلمِ من جديد.
تصيرُ المرأةُ بعدها كمن يسيرُ بين ركامِ قلبِه، تجمعُ بقايا نفسِها، وتحاولُ أن تفهمَ كيف يمكنُ لمن أحبَّتْه بكلِّ هذا الصدق أن يكونَ سببًا في كلِّ هذا الألم. تكتشفُ أنَّ الضربَ لا يتركُ كدماتٍ على الجسدِ وحدَه، بل يتركُ ندوبًا خفيَّةً في الروح، ندوبًا قد لا يراها أحد، لكنها تظلُّ تؤلمُ كلَّما تذكَّرتْ أنَّ اليدَ التي كانت تنتظرُ منها الحنان كانت هي ذاتَها اليدَ التي قتلتِ الحب.






المزيد
بريق أمل مفاجئ ! بقلم سها مراد
حين احترق البيت الذي بنته روحي من سُكَّر الأوهام ولم يبقَ لي سوى رماد الذكريات بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الروح الضائعة بقلم الگاتبــة شــاهينــاز مــحمــد “زهــرة الليـــل”