كتب:محمد صالح
يمثل مفهوم الحماية المجتمعية كمفهوم قديم يقوم علي أنظمة مجتمعية ليست بالجديدة ؛ ولكن الجديد هو في تعميم وتعزيز مفهوم الحماية وتطبيقه بشكل كامل، فربما يسخر من وجهة نظري هذه الكثيرين ولكن عندما يعيش المجتمع بنظام حماية يرتضيه سيتذوق طعم حياة أخري تجعله يشعر بالإنتماء والوفاء والإخلاص، وتجعله يعطي بقدر ما يستطيع لأنه يعرف أنه يعيش وفق منظومة، وأن دوره مقدر ومكانته محترمة وغيرها من الفوائد، وقد يسأل البعض ماهي الحماية المجتمعية نفسها؟ ونقول:الحماية هي مفهوم إجتماعي حديث يقوم علي صون كرامة وعزة الإنسان ويعزز حصوله علي حقوقه الأساسية، ويمكن للفرد لقيامه بدوره ويؤمن له ويهيئ السبل لتحقيق طموحاته.
فمعايير الحماية عندنا أساسية فقط، والناظر للتصريف الرباني تجده يضع أنظمة حماية متكاملة في كل المناهج والشرائع، فالزنا حرام وذلك لحماية المجتمع من تفشي الرزيلة، والأبناء غير الشرعيين وفساد الأخلاق وأعمق من ذلك وصمة المجتمع والنظر له بعين الازدراء وقلة القيمة.
والسرقة محرمة وذلك لحماية المجتمع من إباحة حقوقه المادية ومعني أدق هو إشاعة الأمن والطمأنينة وأعمق من ذلك تشجيع الإجتهاد الفردي وتحقيق الطموحات، وأوجد منظومة حماية بالنشاط في هذه المساحات كلها في إطار السعي والكسب الحلال وذلك ليؤسس لمنافسة شريفة ويحفظ الحقوق وبراءات الاقتراع وغيرها، والكثير من الاحكام التي تبرهن نموذج للحماية الربانية التي تحافظ علي المجتمع وترعي حقوقه، من أجل قفل الباب أمام الفساد وعضد ربنا جل في علاه ذلك من خلال، قوله تعالي:(والله لا يحب الفساد) صدق الله العظيم.
وفي ذلك حماية عظمي، ولذلك مبدأ الحماية فعال في الحياة الإجتماعية، وله دوره الريادي والذي يجعل الكثير من القيم والمبادئ في المجتمع تنشط وتربي الأجيال علي أهداف راقية أتي من أجلها الانسان وصولا لعمارة الكون.
فأنظمة الحماية المجتمعية المقامة في مجتمعاتنا غير كافية، و ناقصة كي تؤدي الغرض والهدف الكامل للحماية، فنحن ننشئ قانون ولكنا نطبقه علي الضعفاء فقط، أو ننشئ قوانين ولا نفعلها وننسي أننا نغفل جزء مهم من حياتنا الإجتماعية وهو الحماية، نحن كذلك ننشئ محاكم لتطبيق القانون ولكنا نحابي ونظلم ونترك الناس؛ يأكل بعضهم بعضًا وفي ظل القانون، فهل طبقنا نظام الحماية، نحن ننشئ مؤسسات ولا نتابع من يشغلون فيها كي تكون المخرجات في النهاية تخدم نظام الحماية المجتمعية، نحن نرعي الفساد وندعي ظاهريًا بمقاومته ومحاربته،نحن ننشئ السجون والتي هي أصلا للإصلاح ونستغلها لجشع أناني جدًا، وننظر للزائرين علي أنهم أوطأ من خلق الله في الأرض وأن الحشرات والحيوانات أفضل منهم، ووفقًا لهذا المفهوم نعاملهم معاملة سيئة ورديئة،في بعض السجون،فبدلًا من أن نصلح من أخطأ وهي مؤسسات غرضها الإصلاح،نوطد وتزرع في نفس النزيل إحساس بالغبن والانتقام فيخرج أكثر جرمًا،وربما صنعنا منه مجرمًا عظيمًا بدلًا من إصلاحه، ليساهم في البناء الاجتماعي من جديد وفق نظام حماية يرغب في مجتمع منتج ونشط وفعال، والويل والثبور لك إذا ما ساقتك الأقدار وأوقعتك أسرًا في تلك الزنازين ولو بالخطأ فلا مجال هنا لتبرئتك مهما يكن ،والكثير الكثير من الأمثلة التي لا تحصي.
نحن دائما تفكيرنا مبتور وجزئي وننسي أننا نعمل وفق منظومة مجتمعية متكاملة، فنحن نهتم بحماية الأطفال ولكن ننسي تأسيس حماية للمجتمع، وندعي أننا نحمي المجتمع وفق المحافظة علي قيمه ونظمه وعزته وكرامته، ولا نكامل هذا الدور بتصميم مشاريع تجسد ما نعنيه، فنحن نبني البوابة وننسي الممر ونظم الحماية الأخري فالبتالي تروح جهودنا المبتورة أدراج الرياح وتصبح ذكريات حلوة، فنحن لا نعمل علي تهيئة المجتمع ليوعي بنظم حماية متكاملة تجعله مسؤلًا ومشاركًا في مشاريع نظم الحماية المجتمعية، فالبتالي تشيع الحماية بين المجتمع ويصبح المجتمع قادر علي مواجهة مشكلاته ويعرف التصرف تجاهها بشئ من الوعي والحنكة.
الحماية عندنا إن وجدت في مجتمعاتنا فهي جزئية، فكثير من المشردين، والأطفال مجهولي السند والأصحاء وغيرهم لا يهمونا في شئ هنا ليشملهم نظام الحماية المجتمعية، فنحن نتعامل إذًا بفهم مبتور وتطبيقات جزئية، والقوانين عندنا لا تطبق علي الكل، فكيف نريد تغيير ما بنا، ولا نستطيع تحقيق العدالة والإنصاف في إقامة المساواة بين المحميين إجتماعيين.
بالحماية المجتمعية نستطيع الحفاظ علي مجتمعنا ويشجعه ذلك ليكون ذو مكانة والافضل من ذلك جعله يبدع.






المزيد
إرث الوعي الصامت: ماذا نترك في حقائب صغارنا النفسية؟
كيفية التعامل مع “ألم الروح” والإسعاف النفسي الأولي
العُمر يُقاس بالسنين.. أما العقل فيُقاس بالوعي