مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

التعجرف وكتابة كتاب

التعجرف وكتابة كتاب
بين التناقض وهيمنة المصالح

بقلم خيرة عبدالكريم

 

يبدو للوهلة الأولى أن التعجرف وكتابة كتاب يقفان على طرفي نقيض؛ فالأول يرتبط بالغرور والانغلاق، بينما الثاني يفترض الانفتاح والتأمل والقدرة على التواصل مع الآخرين. لكن عند التعمق أكثر، نكتشف أن هذا التناقض ليس مطلقًا، بل قد تذوبه المصالح، وقد يحاول أحدهما التستر على الآخر.

الكاتب الحقيقي يحتاج إلى قدر من التواضع؛ تواضع أمام المعرفة، وأمام القارئ، وأمام التجربة الإنسانية الواسعة. الكتابة فعل اعتراف ضمني بأن الإنسان لا يملك الحقيقة الكاملة، بل يسعى إليها. أما التعجرف، فهو ادعاء امتلاك هذه الحقيقة، ورفض لمساءلة الذات. هنا يظهر التناقض بوضوح: كيف لمن يعتقد أنه يعرف كل شيء أن يكتب بصدق وعمق؟

غير أن الواقع يكشف حالات يلتقي فيها التعجرف مع الكتابة، لا بدافع الإبداع، بل بدافع المصلحة. فقد يستخدم البعض الكتابة كوسيلة لإظهار التفوق، أو لفرض رؤية أحادية، أو حتى لتلميع صورة الذات أمام الآخرين. في هذه الحالة، تصبح الكتابة قناعًا يخفي التعجرف بدل أن يناقضه. النص لا يعود مساحة للحوار، بل منصة للهيمنة.

ومن جهة أخرى، قد يحاول الكاتب المتعجرف أن يغطي على هذا الجانب من شخصيته عبر لغة منمقة أو أفكار تبدو عميقة، لكنها في جوهرها تفتقر إلى الصدق. القارئ الواعي غالبًا ما يلتقط هذا التناقض؛ إذ يشعر بأن النص يفتقد للإنسانية، وأنه مكتوب من برج عالٍ لا من قلب التجربة.

في المقابل، هناك من يدرك هذا الصراع الداخلي، فيحاول أن يتجاوزه. يكتب ليقاوم تعجرفه، لا ليغذيه. يفتح لنفسه باب الشك، ويقبل النقد، ويعيد النظر في أفكاره. هنا تتحول الكتابة إلى أداة تهذيب للنفس، لا مجرد وسيلة للتعبير.

في النهاية، العلاقة بين التعجرف وكتابة كتاب ليست بسيطة. قد يتناقضان، وقد يتواطآن، وقد يحاول أحدهما إخفاء الآخر. لكن الفارق الحقيقي يصنعه الوعي: وعي الكاتب بنفسه وبحدوده، وقدرته على الصدق. فالكتابة التي تنبع من تواضع صادق تظل أقرب إلى القلوب، وأكثر قدرة على البقاء.