مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

دوائر القدر : للكاتبة:سعاد الصادق

دوائر القدر :
للكاتبة:سعاد الصادق

 

من يصنع الآخر… القدر أم الإنسان؟
سؤالٌ طالما حيّرني:
هل الحياة والظروف هي التي تصنع الإنسان، أم أن الإنسان هو من يصنع حياته؟
قرأت كثيرًا، وبحثت طويلًا، وتأملت وجوه من حولي،
وتصفحت حكايات أناسٍ تقاطعت طرقهم مع طريقي،
فرأيت اختلاف المصائر رغم تشابه البدايات،
أهي الحياة حين تُلقي بنا في طرقٍ لم نخترها،
أم نحن حين نختار كيف نسير فيها؟
وبين هذا وذاك…
توقفت طويلًا أمام حكاياتٍ بدت كأنها مرآة لهذا السؤال،
حكايات أناسٍ عاشوا في المكان ذاته، وتحت الظروف نفسها،
لكنهم انتهوا إلى مصائر لا تشبه بعضها.
لم يكن في الحارة ما يلفت النظر…
بيوت متلاصقة، وجدران باهتة، وأصوات تتكرر كل يوم حتى فقدت معناها.
لكن الأطفال…
كانوا دائمًا الاستثناء.
كانوا يركضون في الأزقة كأن العالم أوسع مما يبدو،
يضحكون كأن الفقر لا يعنيهم،
ويحلمون… دون أن يعرفوا أن الأحلام، في مثل تلك الأماكن، تُختبر مبكرًا.
كان عامر، وحامد، وسمراء، وغيرهم…
وجوهًا متشابهة في البداية،
كأن الحياة نسختهم بنسخة واحدة، ثم تركت التفاصيل للصدفة.
كان أول من خرج… عامر.
لم يكن الأذكى، ولا الأقوى،
لكنه كان الأسرع انتباهًا للفرص.
مدّ له أحدهم يدًا في وقتٍ مناسب،
فأمسك بها دون تردد.
منحة دراسية…
مدينة أخرى…
أبوابٌ فُتحت في وجهه، لأنه كان مستعدًا أن يطرقها.
لم ينظر خلفه كثيرًا.
كان مشغولًا بالصعود.
أما حامد…
فلم يحاول أصلًا.
كان يقول دائمًا:
“الدنيا كده… واللي مكتوب هيحصل.”
جلس في نفس المقهى،
كبر في نفس المكان،
وتقلّصت أحلامه حتى صارت بحجم يومه.
لم يكن تعيسًا تمامًا…
لكنه لم يكن حيًّا بما يكفي ليحلم.
وسمراء…
كانت تعرف أن هناك شيئًا خاطئًا.
لم تفهمه في البداية،
لكنها شعرت به.
كانت ترى البنات يكبرن بسرعة،
تضيق حولهن الحياة،
وتتحول الأحلام إلى واجبات.
حاولت أن تتمسك بمدرستها،
لكن البيت كان يحتاجها أكثر.
تركت الدراسة…
وبقي الحلم.
تزوجت مبكرًا، كما يحدث دائمًا.
ظنت أن الزواج بابٌ آخر للحياة،
لكنه كان نسخة أخرى من نفس الدائرة.
سنوات مرت…
بين مسؤوليات، وخيبات صغيرة، وصمت طويل.
لكن شيئًا بداخلها لم ينطفئ.
في إحدى الليالي،
بعد شجارٍ عابر بدا ككل الشجارات،
نظرت إلى نفسها في المرآة… ولم تتعرف عليها.
قالت بهدوء:
“أنا لسه عايشة… بس مش أنا.”
في تلك الليلة،
لم تبكِ.
وفي الصباح…
اتخذت قرارًا.
لم يكن خروجها بطوليًا…
ولا جميلًا…
ولا سريعًا.
كان مؤلمًا.
واجهت رفضًا، وسخرية، وخوفًا،
وعاشت شهورًا لا تعرف فيها كيف ستكمل يومها التالي.
تعلمت من جديد…
عملت في أشياء لم تحبها…
سقطت أكثر من مرة…
لكنها، كل مرة، كانت تنهض وهي أكثر عنادًا.
لم يمدّ لها أحد يدًا.
كانت يدها وحدها.
بعد سنوات…
كانت تقف في مكانٍ لا يشبه الحارة.
ليس أفخم،
لكنه أوسع.
كانت تعمل، تكسب، وتختار.
وللمرة الأولى…
لم تكن داخل دائرة.
في نفس الوقت تقريبًا،
عاد عامر.
وقف في الحارة،
ينظر حوله بدهشةٍ خفيفة، كأن المكان أصغر مما يتذكر.
سأل عن حامد،
فأشاروا إلى المقهى.
سأل عن سمراء…
فسكتوا لحظة، ثم قال أحدهم:
“طلعت.”
“طلعت فين؟”
“برّه… ومحدش شافها تاني.”
شعر بشيء غريب…
شيء يشبه الخسارة.
في طريق عودته،
توقف عند إشارة مرور.
كانت تقف أمامه امرأة…
ثابتة، هادئة، كأنها تعرف طريقها جيدًا.
لم يتعرف عليها فورًا.
لكن حين التفتت…
عرف.
سمراء.
تردّد لحظة، ثم ناداها.
نظرت إليه،
ابتسمت… ابتسامة مختلفة.
ليست تلك التي تخفي التعب،
بل التي تعرفه… وتجاوزه.
تحدثا قليلًا.
قال لها:
“إنتِ عرفتي تطلعي…”
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت:
“أنا ما طلعتش… أنا كسرت الدائرة.”
صمت.
ثم سأل، كأنه يسأل نفسه:
“إزاي؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت:
“أنت كان عندك باب مفتوح… دخلت منه.
أنا ما كانش عندي باب…
فخبطت في الحيطة لحد ما اتفتحت.”
تحركت السيارات… وافترقا.
وبقي عامر واقفًا للحظة،
كأنه يرى حياته لأول مرة من الخارج.
أدرك أخيرًا…
أن بعض الأبواب تُفتح بالحظ،
وبعضها لا يُفتح… إلا بالكسر.
هكذا تبقى الحكاية مفتوحة…
فبين القدر والإنسان،
لا توجد إجابة واحدة…
بل حكايات مختلفة….

سأترك لك مساحة ايها القارئ
التشاركنى رأيك…