مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

تكرر الالم ، كفي  بقلم صافيناز عمر 

هناك نوع من الألم لا تستطيع الكلمات أن تحيط به مهما كانت بليغة وقوية، وجع يتسلّل إليك من نفس الباب الذي كنت تظنّه مأمنك وأمانك، من نفس الكفّ التي التقطتك يومًا حين كنت تترنّح على حافة الانكسار والتوهان ، فإذا بها تدفعك هذه المرّة لتسقط بعمق أشد ووجع اكبر .

الخذلان حين يأتي من الغريب، هو مجرّد جرح عابر، لكن حين يتكرر من ذات الملامح التي خبّأت فيها طمأنينتك، ومن ذات الصوت الذي كان يسكّن خوفك، يصبح نزيفًا داخليًا لا يلتئم، وندبة في الروح لا يمرّ عليها الزمن إلا ليزيدها عمقًا ووجعًا.

 

إنه أشبه بأن تمنح أحدهم مفاتيح قلبك، فيفتح الأبواب ليدخل، لا ليقيم، بل ليعبث بما في الداخل، ويتركه فوضى… ثم تعود لتمنحه المفاتيح مرة أخرى، وأنت تدرك أنه سيهدم ما تبقى، ومع ذلك تفعل، لأنك تُكابر أمام نفسك، وتظن أن هذه المرة ستكون مختلفة، لكنك في النهاية تكتشف أن الخيانة لم تكن لحظة ضعف، بل كانت طبعًا راسخًا فيهم.

 

الخذلان المتكرر لا يسرق منك الثقة بالآخرين فقط، بل يسرقك من نفسك، يجعل قلبك حذرًا حتى من النبض، وروحك ترتجف حتى أمام الدفء، وكأنك تحمل بداخلك جهاز إنذار لا يصمت، يحذّرك من أي اقتراب… ومع ذلك، تبقى جراحك مفتوحة، لأن الألم هذه المرة ليس في الفعل ذاته، بل في إدراكك أنك كنت ترى الخطر بعينيك، ومع ذلك مددت يدك نحوه.

المؤلم حقًا ليس أنهم خذلوك مرة أخرى، بل أنك أنت من هيّأت قلبك لتلقي الضربة، وكأنك تعلّم روحك فنون الانكسار، حتى صارت الخسارة لغة ثانية تجيدها بطلاقة.