مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

تحرير المعتقدات

بقلم الدكتورة إسلام محمد
استشارية الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وصاحبه كتابي (البحث عن الذات و كتاب طوظ)

يُعدّ تحرير المعتقدات من أهم الخطوات في رحلة الوعي والنمو النفسي، فهو ليس مجرد تغيير لفكرة أو استبدال لرأي، بل هو ثورة داخلية هادئة تهدف إلى إعادة تشكيل الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا والعالم من حولنا. فالعقل البشري يتكون مع مرور السنين من مجموعة أفكار راسخة، بعضها نابع من تجارب شخصية، وبعضها مستورد من البيئة والأسرة والمجتمع، وقد تتحول هذه المعتقدات مع الوقت إلى قيود غير مرئية تحكم قراراتنا وتتحكم في مشاعرنا دون أن نشعر.

إنّ أولى خطوات التحرير هي الوعي. الوعي بأن ما نحمله من أفكار ليس بالضرورة الحقيقة المطلقة، بل مجرد تصورات يمكن إعادة النظر فيها. حين ننتبه لصوتنا الداخلي ونسأل أنفسنا: لماذا أؤمن بهذا؟ ومن أين أتيت بهذا التصور؟ وهل يخدمني في حياتي الحالية؟ نبدأ بالفعل أول خطوة نحو استعادة السيطرة على أفكارنا.

بعد الوعي تأتي خطوة المواجهة، وهي الأصعب. مواجهة المعتقد الذي يسبّب لنا الألم أو يعطل تقدمنا. فبعض الناس يحمل في داخله معتقدات مثل: “أنا لا أستحق النجاح”، أو “الحياة قاسية دائمًا”، أو “لا أحد يمكن الوثوق به”. هذه الأفكار حين تبقى بلا مراجعة تتحول إلى واقع نعيشه دون قصد. أما عند مواجهتها، فإننا نكتشف أن كثيرًا منها مجرد تجارب قديمة تجمّدت بداخلنا ولم نمنحها فرصة للتغيير.

ثم تأتي مرحلة التحرير، وهي استبدال المعتقد المقيد بمعتقد صحي يمنحنا القوة. فعوضًا عن قول: “أنا لا أستحق”، يمكن استبدالها بـ: “أنا أتطور وأستحق أن أعيش حياة أفضل”. وبدلًا من: “العلاقات مؤذية”، يمكن تعديلها إلى: “هناك علاقات صحية وأستحق أن أعيشها”. هذا التغيير ليس سحرًا، بل ممارسة مستمرة تحتاج إلى صبر ووعي وتكرار.

تحرير المعتقدات هو عملية تنقية داخلية، تُعيد الإنسان إلى ذاته الحقيقية بعيدًا عن التشوهات التي خلفتها التجارب المؤلمة أو الأحكام المسبقة. وكلما تخلّص الفرد من معتقد مقيد، شعر بخفّة أكبر واتساع داخلي يسمح بدخول أفكار جديدة وتجارب أكثر وعيًا واتزانًا.

وفي النهاية، يبقى تحرير المعتقدات خطوة جوهرية لكل من يسعى لحياة أكثر نضجًا وحرية وطمأنينة، لأنه ببساطة يعيد تشكيل أساسات التفكير ويمنح صاحبه القدرة على خلق حياة تتوافق مع قيمه واحتياجاته، لا مع مخاوفه القديمة.