بين صمتين
الفصل السابع: ظلال على الحائط
الكاتب: هاني الميهى
في كل مساء، حين يخفت الضوء وتتمدّد العتمة ببطء داخل الغرفة، تبدأ الحكاية. الحكاية ليست في الأصوات، ولا في الصمت، بل في ما يظهر على الجدار: الظلال.
الظلّ في أصله مجرد غياب للنور. لكنّه، في معناه، حياة موازية. حين نسير في الشارع، نظن أنّنا وحدنا، بينما يرافقنا كيان آخر مطبوع على الأرض أو الجدار، يحاكي حركاتنا، لكنه ليس نحن. إنّه نسخة صامتة، بلا ملامح، لكنها تفضح وجودنا.
تأملتُ ظلّي طويلًا على الحائط. بدا أطول منّي أحيانًا، أقصر أحيانًا أخرى، يتلوّى مع حركة المصباح، يتشوّه، يتكسّر. فتساءلت: أليس هذا ما يحدث مع حقيقتنا حين تُعرض على الآخرين؟ نحن نعيش داخل أنفسنا بألوان كاملة، لكنّ الناس لا يرون سوى ˝ظلّ˝ لأفعالنا. صورة مشوّهة، منقوصة، منقولة عبر زاوية ضوء.
الظلال أيضًا ذاكرة. كل ما عشناه يترك أثرًا، مثل نقش باهت على الحائط. نُطفئ النور، لكنّ الحائط يظلّ متشبّعًا. أحيانًا نظنّ أنّ الماضي انتهى، فإذا بظلّه يطلّ فجأة في الليل، يذكّرنا بما أردنا نسيانه. الماضي لا يموت، بل يتحوّل إلى ظلّ يرافقنا أينما ذهبنا.
في بيت قديم دخلته ذات مرة، رأيت آثارًا لظلال معلّقة على الحائط. ربما كانت لوحات عُلّقت طويلًا، وحين نُزعت، تركت خلفها مستطيلات باهتة، كأنّها ˝أشباح صامتة˝. ظلّ اللوحة كان حاضرًا رغم غيابها. عندها فهمت أن الظلال ليست مجرد انعكاس لحظي، بل هي ˝بصمة الغياب˝. كل ما يفارقنا يترك أثرًا يشبهه، يظلّ عالقًا بنا.
الظلال كذلك مرآة للخوف. الأطفال كثيرًا ما يرتعبون من الظلال على الجدران، لأنها تكبر وتتشوّه. لكن حين يقتربون منها، يكتشفون أنها مجرّد لعب ضوء. أليس هذا حال مخاوفنا؟ تكبر أمامنا، تتضخم على الحائط، لكنّها في حقيقتها أصغر بكثير مما نتخيل.
أحيانًا نطارد ظلًّا على الحائط، نظنّه شيئًا آخر. نقفز لالتقاطه، لكنه يهرب. نظن أننا قادرون على الإمساك به، لكنّه يظلّ بعيدًا. كأنّ الحياة تُرينا أوهامًا في صورة ظلال، نركض خلفها، ثم نكتشف في النهاية أنّها لم تكن سوى وهم ضوء.
لكن الأهم من كل ذلك أنّ الظلال تكشف خيانتنا للوقت. حين نجلس طويلًا أمام ضوء ثابت، يزداد ظلّنا طولًا، ثم يختفي تدريجيًا مع غياب المصباح. إنها رسالة صامتة: وجودنا مرتبط بالزمن. لسنا سوى كائنات تُلقي بظلالها لبعض الوقت، ثم تختفي حين يبهت النور.
أفكّر أحيانًا: ماذا لو كانت حياتنا نفسها ظلًّا لحقيقة أخرى لا نراها؟ ماذا لو كنّا مجرد ظلال لكائنات في عالمٍ أعمق؟ ما نراه نحن واقعًا، قد يكون بالنسبة لعالم آخر مجرد انعكاس. هل نحن الأصل أم الصورة؟ أم أننا مجرّد عابرين، مثل ظلٍّ يمرّ فوق حائط، ثم يتلاشى دون أثر؟
الظلال تعلمنا درسًا حاسمًا: أنّ حقيقتنا ليست دائمًا فيما نُظهره. ما نعرضه للناس ليس سوى ظلّ مشوّه لما في داخلنا. الجوهر يبقى مختفيًا خلف الضوء، أما ما يراه الآخرون فهو مجرد ملامح ناقصة. لذا، لا يجوز أن نحكم على إنسانٍ من ظلّه، ولا أن نقيس عمقه بما ينعكس على جدراننا.
في نهاية المساء، حين أطفأت المصباح، غاب الظلّ عن الحائط. شعرت لحظتها بارتياحٍ غريب، وكأنّ غياب الظلّ حرّرني من مرآةٍ كانت تراقبني. لكنّي أدركت في الوقت نفسه أن الظلال ستعود غدًا مع أول شعاع نور، لأنّها جزء لا ينفصل عن وجودنا. نحن لا نملك أن نتخلّص من ظلالنا، تمامًا كما لا نملك أن نتخلّص من ذاكرتنا.
الظلّ يذكّرنا دائمًا: لسنا وحدنا، نحن نسير ومعنا أثرنا. وما نتركه خلفنا، قد يكون أكثر صدقًا من وجوهنا.
يتبع الفصل الثامن
#بينصمتين
#هانىالميهى






المزيد
اليس غريبا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
صناعة الكتاب إلى أين بقلم سها مراد
قلوب بقلم ايمان الفقي