مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

بين جدرانٍ لا تُرى بقلم أمجد حسن الحاج

بين جدرانٍ لا تُرى بقلم أمجد حسن الحاج

 

كأن الطفلة في اللوحة تقف تحت ثقل عالمٍ لا يرحم، عالمٍ يصنع حول الأرواح الضعيفة أسوارًا لا تُشاهد، لكنها تُشعَر كأنها حجارة صمّاء تُحاصر النَّفَس قبل الخطوة. تبدو نظرتها صامتة، ولكن خلف هذا الصمت ترتجف حكايات كثيرة؛ حكايات عن أيادٍ خفية تدفع الجدران لتقترب، وعن قلوبٍ تجهل حجم الألم الذي يصنعه الضغط حين يشتد على من لا يملك قوة الدفاع.

 

يقف الجسد الصغير في مساحة ضيقة، مساحة تكاد تسلبه القدرة على الحركة، ومع ذلك يظل قائمًا، كأن في داخله جذورًا تمتد إلى أرضٍ بعيدة، جذورًا تعرف أن الإنسان يُولد ليقاوم، لا ليستسلم. تتشابك أناملها أمام صدرها، ليس خوفًا فقط، بل محاولة صامتة للحفاظ على بقية دفءٍ ما زالت تؤمن بوجوده. وكأنها تقول إن الأرواح الصغيرة حين تحاصرها الظروف، تبتكر أبوابًا لا يراها أحد.

 

في اللوحة، تبدو الحجارة ضخمة، لكنها ليست أقسى من تجاهل المجتمع لوجع الأطفال. ليست أشد من صمت يتكوّن حول ضعفهم كطبقة غبار على الذاكرة. ومع ذلك، تلك الفتاة تقف. لا تنهار، ولا تختفي، بل تظل في المنتصف بين قوتين متعارضتين، تحمل في قلبها خيطًا رفيعًا من نورٍ ينتظر لحظة الانفراج.

 

إن أقسى ما في المشهد ليس الحصار، بل الإحساس بأن العالم من حولها يمارس ضغطًا دون أن يلتفت إلى أثره. كأن كل يد تُقرب الجدار تمثل كلمة قاسية، أو حكمًا ظالمًا، أو مسؤولًا نسي أن الرحمة هي القانون الأول للحياة. ومع ذلك، يظل في عين الطفلة شيء يشبه الوعد؛ وعدًا بأن الظلام مهما طال، سيجد أمامه وجهًا يعرف كيف يصنع من الضعف قوة.

 

هذه الصورة ليست مجرد رسم، بل مرآة هادئة تعكس ما يختبئ خلف الوجوه الصامتة، وتنطق بما تحاول القلوب الصغيرة إخفاءه. تُخبرنا بأن الإنسانية تبدأ حين نخفف الحمل عن غيرنا، لا حين نضيف حجرًا جديدًا إلى أعباء الضعفاء.

 

وهكذا، تبقى الفتاة واقفة، لا تستسلم، ولا تطلب المستحيل؛ فقط تنتظر يدًا تفتح فرجًا في هذا الضيق، لتنساب من خلاله الحياة التي تستحقها كل روح وُلِدت لتتنفس بحرية.