مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

“بين الصوت والخشبة… رحلة الفن والحلم” حوار مع فاطمة سيد فؤاد

المحرر: التومة بابكر. 

بين ضوء المسرح وصدى الراديو وهمس الفويس أوفر، تشرق فاطمة سيد فؤاد كفنانة شابة تتقن لعبة الحضور بأكثر من شكل. منذ طفولتها، كانت خشبة المسرح بوابة لاكتشاف موهبتها، وحين انفتح الصوت على الراديو والفويس أوفر، أصبح العالم بأسره مسرحًا لها، حيث كل كلمة وكل نبرة تحمل حياة، وإلهامًا، ورسائل للقلوب.

في هذا الحوار، نغوص في عالمها الداخلي، نتبع خيوط إبداعها، ونتلمس مصادر شغفها وطموحاتها، لنكتشف كيف تتحول التجربة الشخصية إلى فنٍ يلامس الروح ويزرع الأمل.

 

متى شعرتِ أن الفن سيصبح جزءًا من روحك؟ هل كان المسرح أول حبٍ حقيقي لك، أم أن صوتكِ في الراديو كشف عنك موهبة أخرى لم تتخيليها؟. 

 

منذ أن كان عمري ست سنوات، وأنا أمتلك موهبة التمثيل، وكان الجميع يتوقعون لي أن أصبح ممثلة عندما أكبر. ولكن، عندما التحقت بالمرحلة الثانوية، اكتشفت ذاتي بصورة أعمق عندما مثلت أمام جمهور وعلى خشبة المسرح، وحينها كان تقييم الناس لي.

المسرح هو أول من نمّى موهبتي وعلمني، وهذا سهّل عليّ العمل في مجال التعليق الصوتي وأتاح لي التطور فيه. ونتيجة لذلك، كل من يستمع إليّ يرغب في المتابعة والتفاعل مع الأحداث.”

 

كل منصة لها نبضها الخاص، كيف تختلف تجربتك بين المسرح، حيث الجسد والحضور، وبين الراديو والفويس أوفر، حيث الصوت وحده يحمل المشاعر ويخلق العوالم؟

 

المسرح ممتع جدًا؛ لأنني أرى تقدير جهدي أمامي مباشرةً في تصفيق الجمهور وتفاعلهم معي، وهو شعور جميل للغاية.

ولكنني وجدت نفسي أكثر في التعليق الصوتي (الفويس أوفر) والإذاعة (الراديو)، حيث شعرت أنني أفعل شيئًا أحبه، وأستطيع التنويع فيه وتجسيد كل الشخصيات التي أحبها. كما أن التعليق الصوتي يتيح حرية أكبر وخيالًا أوسع من المسرح.

ولأنني أمتلك موهبة الصوت الجميل – والحمد لله – والتمثيل الجيد، أستطيع أن أدخل المتابع معي إلى عالم الروايات. وحينها، يكون تفاعلهم وتعليقاتهم هو الدافع والحب بالنسبة لي، تمامًا كما لو كان جمهورًا أمامي على خشبة المسرح.

 

في رحلتك الفنية، ما أصعب اللحظات التي واجهتها، وكيف تغلبتِ على تلك العقبات لتستمرّي في التعبير عن فنك بصدق؟

 

كانت أول عقبة واجهتني هي وفاة والدتي وأنا في سنتي الجامعية الأولى، ثم لحقها والدي بعد خمسة عشر يومًا، أي يمكن اعتبار أن كليهما توفي في شهر واحد.

كانت والدتي دائمًا تجلس في الصف الأمامي في المسرح. حزنتُ كثيرًا لدرجة أنني فقدتُ صوتي لمدة عامين، وراجعتُ كل الأطباء الذين أكدوا أن السبب نفسي نتيجة تأثير الحزن الشديد.

وشاء القدر أن أبدأ العمل بصوتي في عام 2020، وأن يعرفني الناس جميعًا من خلاله. شعرتُ حينها أن الله قد عوضني عن فقدان أهلي بعمل وحياة وعائلة كبيرة افتقدتها برحيلهم.

تحديتُ كل هذا الألم والوجع، وكبّرتُ قناتي وأنشأتُ أكثر من قناة وصفحة (Page). وقد أعانني الله وقواني.

ثم أكرمني الله بالعمل مع أكثر شخص أحبه في مجال الإعلام والتعليق الصوتي، وهي الدكتورة مروة عزام على قناة “حكايات”، وهذا ما شعرتُ أنه أكبر تعويض لي. وبعد ذلك، كرمني الله بتقديم حلقات مفيدة على منصة “تيك توك”، وتجاوزت القناة ملايين المشاهدات.

لذلك، شعرتُ أن بعد الصبر يأتي الجبر، وأننا عندما نرضى بقضاء الله، فإنه يرضينا ويكرمنا ويعوضنا.

 

من أين يأتيك الإلهام؟ هل من المواقف اليومية، الشخصيات التي تقابلينها، أم من عالم داخلي تخلقينه لكل أداء؟

 

الفيديوهات التي أصورها بنفسي تكون عبارة عن مواقف شاهدتها ولم تعجبني، فأردت تقديم النصيحة من خلال مقطع مرئي (فيديو).

على سبيل المثال، رأيت مرة شابة تصلي بطريقة خاطئة، فشعرت بضرورة عمل فيديو أوضح به للناس؛ لعلهم يكونون غير عالمين بذلك.

أدركتُ أن وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين، فقد تنفع وقد تضر، وللأسف أصبح أغلب الجيل الجديد يستغلها بطريقة خاطئة. لذلك، حاولت أن أقدم شيئًا لعلّه ينفعهم ويعملون بنصيحتي.

أما بالنسبة لقصص الرسوم المتحركة (الأنيميشن)، فهذا محتوى آخر أقدمه وهو عبارة عن قصص بالكامل. أحاول أيضًا أن أقدم من خلالها نصائح عن طريق الأنيميشن، وهذا المحتوى له فريق عمل يكتب له، لست أنا وحدي، فأغلب الأفكار في الحقيقة تأتي من الكُتّاب.

أما الفيديوهات التي أظهر فيها بنفسي، فأغلبها من كتابتي وأفكاري. وقد كتبت لي الكاتبة سارة بركات

والكاتبة أميرة عبد الله شخصية الجدة مفيدة، وهي جدة تحكي قصصًا للأطفال بطريقة معينة عن الأنبياء.

 

 

كيف تحافظين على توازنك بين الحياة الشخصية والانغماس في أدوارك ومهامك الفنية المتعددة؟ هل هناك طقوس أو عادات تساعدك على ذلك؟

 

الأولوية والأهم لدي هي صلاتي قبل أي شيء آخر، وهي سبب توفيقي في حياتي، وعلاقتي بربي هي أساس استمراري.

أما وقتي، فيتوزع بين التسجيل وإعداد الحلقات والتصوير.

وتكون هناك أوقات بسيطة أقضيها مع العائلة؛ لأنني أكون مشغولة أغلب الوقت بقراءة القصص الجديدة وكتابة الأفكار للفيديوهات، ولذلك أحتاج إلى الهدوء أكثر للتسجيل وللتفكير.

 

كيف تطورين صوتك وأدائك باستمرار؟ وما الدور الذي يلعبه التدريب والممارسة في صقل مهاراتك في كل مجال؟

 

كلما تقدمتُ في العمر واستمعتُ إلى نفسي، أشعر أن أدائي يتحسن؛ وذلك لأنني أعمل في مجال التعليق الصوتي منذ ست سنوات.

لذلك، حرصتُ على أخذ دورات تدريبية (كورسات) في إذاعة (9090) لتطوير ذاتي مع الدكتورة أسماء سمير. كما أخذتُ دورة في الإذاعة والراديو مع الدكتور يوسف الدالي، وقد استفدتُ منهما كثيرًا. وأيضًا، تلقيتُ دورات في (طحالب).

كل هذا أحدث فرقًا كبيرًا معي وعلّمني كيف أستخدم صوتي وكيف أتحكم في طبقاته المختلفة. لقد ساعدتني هذه الدورات في معرفة متى أكون هادئة ومتى أُعبّر عن الغضب، وكل هذا أثر إيجابًا في أدائي.

أحافظ على صوتي بعدم رفع نبرته أثناء وجودي مع العائلة. وإذا أصبتُ ببرد، أتجنب إجهاد صوتي وأُريحه تمامًا. يجب عليّ الامتناع عن شرب اليانسون تمامًا لأنه يسبب ارتخاءً للأحبال الصوتية. يمكنني تناول الشاي الأحمر أو الأخضر، وممنوع عليّ القهوة قبل التسجيل مباشرة

 

إذا كان صوتك ورسالتك الفنية يمكن أن تصل إلى كل شخص في العالم، ماذا تقولين لهم، وما الذي تأملين أن يشعروا به بعد الاستماع أو مشاهدة أعمالك؟

 

“يا احبائي استمعوا بقلوبكم قبل آذانكم. رسالتي لكم هي الأمل، والإيمان، والقوة الكامنة في داخلكم. لا تدعوا أي ألم أو فقدان يطفئ النور الذي وُضع في دواخلكم. تذكروا دائمًا أن بعد كل عثرة هناك نهوض، وبعد كل صبر هناك جَبر وعوض إلهي جميل يفوق توقعاتكم.”

أما الذي آمل أن يشعروا به بعد الاستماع أو مشاهدة أعمالي فهو:

أتمنى أن يشعروا بـ السكينة الداخلية، والإلهام، والرغبة في أن يصبحوا نسخة أفضل من أنفسهم. أريدهم أن يعيشوا القصص التي أرويها، أن يتعاطفوا معها، وأن يستخلصوا منها دروسًا حياتية تُلهمهم للتغيير الإيجابي. آمل أن تكون أعمالي بمثابة عناق دافئ لكل قلب مرهق، ورسالة تأكيد بأن الله لن يضيع أجر من أحسن عملًا. أريدهم أن يغادروا وهم يحملون في قلوبهم يقينًا بأن الحياة تستحق أن نعيشها بكل ما فيها من تحديات، وبأن التعويض الإلهي قادم لا محالة.

 

 

ما الأحلام التي تتطلعين لتحقيقها في مجالاتك الثلاثة؟ وهل هناك مشاريع جديدة تودين خوضها لتطوير فنك أكثر؟

 

حلمي أن أكون مذيعة راديو أو تلفزيون. وحلمي الأكبر هو أن تصل رسالتي، ويكون الهدف منها هو نشأة جيل أفضل، جيل سويّ يُحب الخير.

لديّ طموح جامح (أو: طموح لا حدود له)، وأرى أنني لم أُنجز شيئًا بعد، وأنني ما زلتُ في بداية الطريق، و”وأن ليس للإنسان إلا ما سعى”.

أنا أسعى، وأثق بأن الله سيكرمني، وستصل رسالتي في يوم من الأيام. أملي كبير في الله أن أُعرف بشيء مُشرّف، وأن يفتخر بي أهلي حتى وهما في الجنة، إن شاء الله.

أما المشاريع الجديدة، فهي تتمثل في قناتين جديدتين على اليوتيوب تحملان أفكارًا جديدةبعض الشيء، وبعيدة عن شخصيتي المعتادة: إحداهما باللهجة الصعيدية، والأخرى بالعامية المصرية. آمل أن تنالا إعجاب الجمهور.

 

وأخيرًا، كيف ترى مجلة إيفرست الأدبية ودور نبض القمة في احتضان المبدعين وإبراز أصواتهم في المشهد الأدبي العربي؟

 

أرى أن مجلة إيفرست الأدبية، ودورها الذي يمثل “نبض القمة”، له أهمية محورية وحيوية في المشهد الأدبي العربي المعاصر.

إنها ليست مجرد منصة للنشر، بل هي بمثابة “الضوء الكاشف” الذي يسلط على المواهب الحقيقية، و“الحاضن الدافئ” الذي يحتضن المبدعين، خاصةً الشباب منهم، ويوفر لهم المساحة الآمنة التي يحتاجونها لتقديم أصواتهم الفريدة دون خوف أو قيود.

في عالم يغلب عليه السطحية، يأتي دور “نبض القمة” ليؤكد أن للأدب عمقًا وجذورًا، ويساهم في:

  • إثراء المشهد الثقافي: من خلال تقديم محتوى أدبي راقٍ ومتنوع يغذي العقل والروح.

  • بناء الجسور: بين الأجيال المختلفة من الكُتاب، وتبادل الخبرات بين القدامى والجدد.

  • توفير شرعية للبدايات: فظهور اسم الكاتب أو الشاعر في مجلة مرموقة كهذه يعطيه الثقة والدفع اللازمين للانطلاق نحو آفاق أوسع.

باختصار، أرى أنها تُشكل قلبًا نابضًا بالحياة والإبداع يرفع من قيمة الكلمة، ويضمن استمرارية الوهج الأدبي في أمتنا.

 

تغادرنا فاطمة بعد هذا الحوار، لكنها تترك أثرًا كما يترك الضوء خيوطه في الغروب، أثرًا من إيمان وشغف وصوت ينبض بالحياة.

مسيرتها بين المسرح والراديو والفويس أوفر تحكي عن قوة الإصرار، وحسن استغلال الموهبة، وكيف يمكن للفن أن يتحول إلى رسالة، وللصوت أن يصبح جسرًا بين القلوب.

في النهاية، يبقى الأمل والإلهام رفيقيها الدائمين، والرسالة التي تنقلها لكل من يلتقي بأعمالها: أن لكل ألم نهاية، ولكل صبر ثمر، وأن الفن الحقيقي قادر على لمس الأرواح وإشعال ضوء داخلي في كل قلب يستمع إليه.