مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

باللون الأزرق بقلم الكاتب هانى الميهى

باللون الأزرق
الكاتب هانى الميهى
من كتاب كل هذه القوة تجعلني أختنق

الفصل الثانى عشر
لم يتغير العالم فى الخارج، لكن شيئًا ما تغير فى الداخل. كانت الطرق هى الطرق، والوجوه هى الوجوه، والشمس تشرق كل صباح كما اعتادت، ومع ذلك، لم يعد يرى الأشياء كما كانت. لم يكن ينظر إليها بعينيه فقط، بل بما تراكم فى قلبه من تعب، حتى أصبح لكل شىء لون آخر لا يراه سواه.

لم يكن الحزن يقيم فى لحظة بعينها، بل كان ينتشر بهدوء، كما تنتشر قطرة حبر فى كوب ماء صافٍ. لا تفسد الماء دفعة واحدة، لكنها تغيره كله. وهكذا فعل الحزن معه؛ لم يسرق منه الحياة، لكنه غيّر مذاقها. أصبحت الضحكة أقصر، والدهشة أقل، والأيام أكثر تشابهًا، كأن الزمن فقد ألوانه ولم يُبقِ إلا لونًا واحدًا يرافقه أينما ذهب.

كان يندهش من نفسه. يرى الناس يفرحون بالأشياء التى كان يفرح بها يومًا، فيحاول أن يشاركهم الشعور، لكنه يجد بينه وبين الفرح مسافة لا يعرف كيف يعبرها. لم يكن يرفض السعادة، بل كان يشعر أنها تمر بجواره دون أن تتوقف عنده طويلًا.

ولم يكن اللون الأزرق الذى يتحدث عنه لون السماء أو البحر، بل لون الصمت حين يطول، ولون الانتظار حين لا يعرف موعد نهايته، ولون الأحلام التى بقيت معلقة بين الرغبة والخوف. كان كل ما يراه يحمل أثرًا مما عاشه، حتى أصبح قلبه يفسر العالم بلغته الخاصة.

الغريب أن الحزن لا يطلب من الإنسان أن يبكى دائمًا. أحيانًا يطلب منه فقط أن يتعب. أن يفقد رغبته فى الأشياء التى أحبها، وأن يؤجل ما كان ينتظره، وأن يعيش يومه كمن يعبر طريقًا طويلًا دون أن يعرف إلى أين ينتهى.

وكان أكثر ما يخيفه أن يعتاد هذا اللون. أن يصبح طبيعيًا إلى الحد الذى ينسى معه أن للحياة ألوانًا أخرى. فالإنسان لا يخسر نفسه حين يحزن، بل حين يظن أن الحزن هو صورته الأخيرة، وأن ما يشعر به اليوم سيبقى إلى الأبد.

ثم أدرك شيئًا لم يفكر فيه من قبل. لم يكن اللون الأزرق يسكن العالم، بل كان يسكن نظرته إليه. وما دام القلب قادرًا على أن يغيّر معنى الأشياء، فهو قادر أيضًا، يومًا ما، على أن يعيد اكتشافها من جديد. لم يكن ذلك وعدًا سريعًا بالشفاء، بل إيمانًا هادئًا بأن الفصول لا تبقى كما هى، وأن أكثر الليالى زرقة لا تستطيع أن تمنع الصباح من أن يأتى.

عندها فهم أن الحزن لا يملك العالم، بل يملك العدسة التى ننظر بها إليه. وإذا استطاع الإنسان أن يحمى قلبه من أن يتحول إلى تلك العدسة الوحيدة، فلن يختفى الألم، لكنه لن يبتلع الحياة كلها.


رسالة الفصل

الحزن لا يغيّر العالم… لكنه قد يغيّر الطريقة التى نراه بها، حتى نظن أن العالم كله قد تبدل.

تمهيد الفصل القادم

ورغم كل ما مر به، كان هناك ما يزيد الدهشة…

فكل هذا الثقل كان يسكن قلبًا لم يتجاوز صاحبه العشرين من عمره.

الفصل الثالث عشر: لم أتجاوز العشرين.