مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

بائع الحكايات (٢)

Img 20250207 Wa0017

كتبت منال ربيعي

 

. حين استيقظ خالد، لم يكن العالم كما تركه

 

فتح عينيه على ضوء الشمس المتسلل من بين الأشجار، ولا يزال كتاب “الأميرة الذهبية” بين يديه. للحظة، ظن أنه حلم بكل ما حدث، بالبائع العجوز، بالحكاية التي اختارها، بكل شيء… لكن عندما قلب الصفحات، وجد سطرًا جديدًا لم يكن موجودًا ليلة أمس:

 

“حين تختار الحكاية، فإن الحكاية أيضًا تختارك.”

 

تملكه شعور غريب، كأن القصة لم تنتهِ بعد، بل بدأت لتوّها.

 

عودة البائع… برسالة جديدة

 

على مدار أيام، بحث خالد عن البائع العجوز في كل مكان، في شوارع القاهرة القديمة، في الأسواق، بين باعة الكتب، لكنه لم يجده.

 

وذات مساء، بينما كان يسير على الكورنيش، سمع صوتًا مألوفًا:

 

— “أراك تبحث عن شيء، يا فتى الحكايات.”

 

التفت بسرعة، فرأى البائع العجوز جالسًا تحت عمود إنارة قديم، يحيطه صندوقه الخشبي المليء بالقصص. اندفع خالد نحوه وقال:

 

— “أين كنت؟ ولماذا القصة تغيّرت؟”

 

ابتسم الرجل، وأشار إلى الكتاب بين يديه:

 

— “أخبرتك… ما تختاره سيكون قدرك. لكن القدر لا يتوقف عند اختيار واحد.”

 

ثم أخرج قصة أخرى من صندوقه، وغلافها يحمل عنوانًا لم يره خالد من قبل: “حين تشرق الشمس مرتين”.

 

— “هذه القصة لم تُكتب بعد… لكنك ستعرفها قريبًا.”

 

قبل أن يتمكن خالد من سؤاله المزيد، اختفى البائع وسط الزحام، تاركًا وراءه غموضًا جديدًا.

 

الفتاة التي تشبه الحكايات

 

في اليوم التالي، وبينما كان يتجول في أحد الأسواق القديمة، وجد متجرًا صغيرًا لبيع الكتب، بدا مألوفًا بشكل غريب. دخل دون تفكير، وبينما كان يتصفح العناوين، وقعت عيناه على نسخة أخرى من “الأميرة الذهبية”. مدّ يده ليلتقطها، لكن يدًا أخرى امتدت في اللحظة نفسها.

 

رفع نظره، فوجد فتاة ذات شعر طويل كخيوط الليل، وعينين بلون العسل، ترتدي فستانًا بسيطًا بلون الورد الذابل. نظرت إليه بدهشة، وكأنها تعرفه، ثم قالت بصوت هادئ:

 

— “أنت… اشتريت هذه القصة أيضًا؟”

 

تجمد خالد للحظة، ثم سألها ببطء:

 

— “ماذا تقصدين؟”

 

رفعت الفتاة يدها، وفيها نسخة مماثلة تمامًا للكتاب الذي بين يديه.

 

— “أنا أيضًا اشتريتها… منذ سنوات.”

 

شعر خالد بقلبه ينبض بسرعة. هل يعقل أن الحكاية التي قرأها لم تكن مجرد قصة؟ هل يعقل أن هناك شخصًا آخر عاش شيئًا مشابهًا؟

 

— “ما اسمك؟”

 

ابتسمت الفتاة وقالت:

 

— “ندى .”

 

عندما تتشابك الحكايات

 

جلسا في مقهى صغير يطل على النيل، وتبادلا الحديث لساعات. أخبرته ليلى أنها التقت بالبائع العجوز قبل خمس سنوات، واشترت منه نفس القصة. لكنها وجدت أمرًا غريبًا فيها… في الصفحات الأخيرة، كانت هناك تفاصيل عن رجل فقد عمله، وخسر حبيبته، ثم التقى برجل يبيع الحكايات…

 

— “كانت قصتك، خالد.”

 

شعر بقشعريرة تسري في جسده. كيف يمكن أن تكون القصة قد كُتبت عنه قبل أن يعيشها؟

 

— “لكن هناك فرق واحد…” تابعت ندى ، ونظرت إليه بعمق، “في نهاية قصتي… لم يكن البطل وحده.”

 

ارتبك خالد، لكنه شعر أن شيئًا بداخله بدأ يتغيّر. ربما لم يكن كل هذا عبثًا، ربما لم يكن البائع مجرد رجل مسن يبيع كتبًا… ربما كان هذا لقاءً كُتب في حكاية أخرى، أقدم من الورق نفسه.

 

بداية جديدة… أم قدر مكتوب؟

 

في الأسابيع التي تلت، أصبح خالد وندى صديقين… ثم أكثر من ذلك. كانا يلتقيان كل يوم، يتحدثان عن الحكايات، عن القدر، عن الصدف التي قد لا تكون صدفة.

 

وذات ليلة، بينما كانا يسيران على الكورنيش نفسه حيث التقى خالد بالبائع العجوز، وجد ورقة صغيرة على الكرسي الخشبي. التقطها، وكانت مكتوبة بخط يد مألوف:

 

“كل الحكايات تنتهي… إلا تلك التي تبدأ من جديد.”

 

نظر إلى ليلى، فوجدها تنظر إليه بنفس الفهم الصامت.

 

— “إذن… هل نختار أن نكون جزءًا من حكاية لم تنتهِ بعد؟”

 

لم يجب خالد بالكلمات، بل مدّ يده إليها، فوضعت يدها في يده، وشعرا معًا بأن الحكاية لم تنتهِ بعد… بل بدأت لتوّها.

 

وكان النيل شاهدًا على قصة أخرى، لم تُكتب في الكتب، بل في القلب.