كتبت:ملك فوزي عبد المجيد
لقد خلق الله البشر ليعبدوه وخلق الأرض بما عليها من مخلوقات وسخر بعضها للإنسان لينتفع بها، و عندما تكاثر البشر عليها تفرقوا واصبح لكل جماعة مكان يعيشون فيه واصبح هذا المكان وطنهم الذي إن غابوا عنه حنُّوا واشتاقوا إليه، فذلك الوطن ليس مجرد أرض تحملنا بل هواء نتنفسه وماء نشرب منه وحياة نعيشها، وحاجتنا للهواء والمأكل والمشرب مثل حاجتنا لوطننا الحبيب، فكل هذا جزء من الوطن والوطن جزء منِّا ونحن فيه وحبه يجري في دمائن، فحب الوطن شعور جميل وعندما نذكر حب الوطن نتطرق إلي مفاهيم اخري وهي الإنتماء إلي تلك الأرض التي وُلدنا فيها ونشأنا علي عاداتها وتقاليدها، والاعتزاز بإنجازات ابنائها كما نعتز بأنفسنا وبعائلاتنا، والحفاظ على كل ما يخص الوطن من مرفقات عامة ونظافة الشوارع به، والدفاع عنه ضد أي معتديٍ ضال وجد وطننا مكان سهل يتحمل عاداته السيئة وقيادته الإنتهازية فنحن عندما اعتبرناه وطننا أصبحنا نحن ابنائه وواجبنا هو فعل أي شيء في سبيله.
وسوف نتحدث عن الإنتماء للوطن فهو حالة تجتاح الإنسان عندما يعود إلي وطنه بعد غياب وإغتراب، يشعر وكأنه عاد إلى نفسه، وقد تركها وغادر وعندما عاد إلى وطنه عادت إليه وشعر بالأمان.
ولن اختص هذا الشعور بالإنسان فقط فالحيوان أيضاً لديه إنتماء لوطنه وعائلته؛ فالحيوان عندما يُولد يكون لديه شعور إنتماء لوالدته ويتبعها في كل مكان ويخاف إبتعادها عنه، ومع الوقت يتطور الأمر ويكون إنتمائه للمكان الذي يعيش فيه مع والدته حتى لو كان جُحراً، ومع تتابع الأيام والشهور وربما الأعوام يبدأ في أخذ حريته مع شعور ملازم له بالإنتماء لوطنه الذي وُلد فيه، وكذلك الإنسان بشتى مراحله العمرية تتابع مراحل إنتمائه بنفس الطريقة.
وهذا الشعور قد أشار إليه الإسلام فعندما هاجر الرسول (صلي الله عليه وسلم) من مكة قال:(يا مكة والله لأنتِ أحب بلاد الله إليَّ ولولا أن قومك اخرجوني منكِ ما خرجت)
حتى من مات من الأنبياء بعيداً عن وطنه وصى بأن يُدفن في أرض الوطن.
لن نختص بالقول المغتربين فقط فكل مواطن على أرضه يتوجب عليه حبه والشعور بالإنتماء إليه،فالإنتماء يعني الإرتباط والحب والأمان، وعندما يفقد شخص هذه الصفات بينه وبين وطنه يكون هناك خللاً فطرياً به، فهؤلاء الناس الذين لديهم إختلال فطري لا يحبون أوطانهم ويرجون يوماً يخرجون فيه من وطنهم وكأنه سجن وجنسيته أصفاد تكبله من العيش بحرية، وعندما تواتيه اول فرصة يفر هارباً منه وكأنما يفر من وحش مفترس. بعد ذلك يجد نفسه في مكان غريب عنه ويشعر بالسعادة لهذا الإنجاز ولكن يكون هناك جزء ناقص من سعادته
وهو.. الشعور بالأمان، ومع مرور السنوات يحاول بدون جدوى ان يتأقلم وأن يشعر بالسعادة، وعندما تواتيه أول فرصة يعود إلى وطنه وكأنه رأى كابوساً مرعباً ويريد الإستيقاظ منه وعودته إلى وطنه هي نجاته من هذا الكابوس.
فمن يظن أن هجرته وطنه خيراً له وهروباً من قيود جنسيته حرية فهو مخطيء؛ فهذه القيود هو من يصنعها بنفسه ولنفسه، لأنه لم يحاول أن يصنع له مستقبلاً فيه، ولأنه ركز مستقبله وربط أحلامه بتركه وطنه في حال أن الجميع يمكنه فعل أي شيء ليصل لهدفه داخل وطنه، ولكن معظمهم بدون إرادة، والإرادة تأتي من ثقة الشخص في قدراته والعمل علي تنميتها جزء لا يتجزأ منها. يفعل ذلك ليحقق النجاح في حياته وتختفي فكرة هجرته من وطنه؛ فالوطن ليس هو من يقيدك بالفشل أنما أنت من تقيد نفسك بذلك ولأنك لم تسلك الطريق الصحيح واتخذت وسيلة غير صائبة لتحقق نجاحك، فإن من لديه عزيمة لتحقيق أي شيء في أي مكان يخترق جدار من الصعوبة
إن حب الوطن الحقيقي يعتمد على جهودك كمواطن من أجل حياة كريمة أفضل لك ولمن حولك، ويكون أيضاً عند تفعيل العمل الجماعي وإخلاص النية لخدمة المجتمع والنهوض بالوطن.
إن حب الوطن ليس مجرد هتافات وكلمات إنما هو قيم ومباديء وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وتضحية وإيثار وعمل جاد وقبل كل ذلك إخلاص ووفاء، فالوطن ليس مجرد شيء ويزول إنما هو حياة بأكملها.






المزيد
إرث الوعي الصامت: ماذا نترك في حقائب صغارنا النفسية؟
كيفية التعامل مع “ألم الروح” والإسعاف النفسي الأولي
العُمر يُقاس بالسنين.. أما العقل فيُقاس بالوعي