الهروب بقلم إسلام محمد
الهروب ليس دائمًا جريًا بالأقدام، أحيانًا يكون انسحابًا بالصمت، أو تملصًا بالكلمات، أو حتى ابتسامة زائفة تخفي وراءها خوفًا من المواجهة. كم من أناسٍ يبدون في ظاهرهم أقوياء، لكنهم في الحقيقة يعيشون داخل قوقعة من الهروب المستمر؛ يهربون من المواقف، ومن الناس، ومن أنفسهم قبل كل شيء.
الهروب سلوك يتقنه كثيرون، بعضهم يتقنه بلباقة فيبدو كأنه انشغال، وبعضهم يمارسه بوقاحة فيتحول إلى خداع. ترى الشخص يتحدث عبر الهاتف بكل حيوية، يضحك ويُظهر شغفًا بلقائك، لكنه حين تقترح اللقاء وجهًا لوجه، يتحول فجأة إلى كائن من أعذار، كل يوم عنده سبب جديد: “عندي شغل”، “مشغول شوية”، “أجلها للأسبوع الجاي”… وكأن اللقاء سيفٌ مرفوع على رقبته. هؤلاء لا يهربون منك، بل من صدق اللحظة، من الحضور الحقيقي الذي لا يسمح لهم بالاختباء خلف شاشة أو سماعة هاتف.
وهناك فئة أخرى تتفنن في عرض الخدمات والمساعدة، يتحدثون بحماسة وكأنهم الملائكة الهابطة من السماء: “لو احتجتِ أي حاجة أنا موجود”، “أي وقت اتصلي بيا”، “أنا تحت أمرك”. لكن حين تأتي ساعة الجد وتطلب شيئًا بسيطًا، يذوبون كفقاعة في الهواء، لا رد، لا وجود، لا أثر. يتوهون بين المبررات الواهية، وكأنهم لم يتكلموا يومًا. هؤلاء لا يهربون من الطلب، بل يهربون من مسؤولية الكلمة، من ثِقل الالتزام، من أن يُختبر صدقهم.
المدهش أن الهروب ليس ضعفًا جسديًا بقدر ما هو ضعف نفسي، لأنه يفضح عدم قدرة الإنسان على المواجهة، على الصدق مع ذاته أولًا. فالمواجهة تحتاج شجاعة، بينما الهروب يحتاج خوفًا، وكل من يختبئ خلف أعذار واهية إنما يهرب من مرآته، لا من الآخرين.
الهروب قد يبدو راحة مؤقتة، لكنه استنزاف طويل الأمد. فكل مرة تهرب فيها، تخسر جزءًا من احترامك لنفسك، وكل مرة تتفادى موقفًا صادقًا، تبتعد عن حقيقتك أكثر. المواجهة قد تُتعبك لحظة، لكنها تُحررك عمرًا.
فلننظر حولنا: كم صديقًا كان يملأ حياتك وذوى حين احتجته؟ كم شخصًا وعدك ثم اختفى؟ كم موقفًا تكرر فيه نفس المشهد؟ الحقيقة أن الهروب أصبح عادة اجتماعية مقبولة عند البعض، لكنها في جوهرها مرضٌ يُنهك العلاقات ويقتل الثقة.
الهروب لا يبني حياة، ولا يُبقي ودًّا، ولا يُنقذ نفسًا. المواجهة وحدها تصنع إنسانًا ناضجًا، قادرًا على أن يقول “نعم” أو “لا” بوضوح. فالهروب ليس من المواقف، بل من الذات. ومن يهرب من ذاته، يعيش ضائعًا مهما ابتسم وتظاهر بالثبات.






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى